زنا العينين

خلق الله الإنسان ، وخلق فيه شهوة الفرج وحدّ لها حدوداً ونظمها ، ونظم لها طريق الحلال وحذّر من طريق الحرام ، بل حذّر من القرب من الحرام مخافة الوقوع فيه ، لأن َكَثِيراً مِنَ النَّاسِ ممن َقَلَّ حَيَاؤُهُمْ ينظرون إلى المحرّم ، غَيْرَ مُبَالِينَ بما ورد في القرآن والسنة النبوية ، من النصوص التي تنهى المؤمن ،ألا ينظر إلى محرّم ولا ينقل القول الفاحش ، ولا يشيع ذلك بين الناس، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ، قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم – كل ما دون الزنا- مما روي عن أبي هريرة : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العينين النظر ، وزنا اللسان النطق ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي -تمنيها واشتهائها الزنا الحقيقي- وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) ولقد أحسن القائل:
كـل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك الســهام بلا قوس ولا وتر
والعبــد ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسـر مقلته ما ضـر مهجـته لا مـرحبا بسرور عاد بالضـرر
وقد أنعم الله علينا بنعمة السمع والبصر فقال تعالى : ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ الملك 23، وشكر هذه النعمة ، من أوجب الواجبات لذا يتحتم علينا أن نستحي من صاحب هذه النعمة ، وأن نراقبه فيها ، فلا ننظر إلى ما حرّم الله ، وأن نسخرها فيما يرضي الله ، وسوف نُسئل عما رأيناه بأبصارنا قال تعالى
: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ولما كان إطلاق البصر سببا لوقوع الهوى في القلب ، أمر الشارع بغض البصر، عما عمّا حرّم الله تعالى ، وعن محلّ الشهوة ، لأن قضية الجنس قضية دقيقة ، لأنها شهوة ذات قوة جذب لا يمكن أن ينجو منها الإنسان ، إلا إذا أبقى بينه وبينها هامش أمان، لذلك لم يرد في القرآن آية تنهى عن الزنا ، ولكنها جاءت تنهى عن الاقتراب من الزنا، كإطلاق البصر ومتابعة الأفلام الإباحية ، فهذه محرمة لأنها الطريق الموصل إلى الفاحشة ، ولأن إطلاق البصر ، سبب لأعظم الفتن، فكم فسد بسبب النظر من عابد، وكم انتكس بسببه من شباب وفتيات كانوا طائعين، وكم وقع بسببه أناس في الزنى والفاحشة فالعين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق العبد بصره ، أطلق القلب شهوته وإرادته، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه في الدار الآخرة.
فيا أيها الإنسان ، لماذا تتجاهل أن الله يراك أينما كنت ، ويعلم ما تخفي وما تعلن فقال : ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ويا من جلست أمام المشاهد الفاضحة لترى الرجال والنساء ، يرتكبون الفواحش المغلظة ، بأبشع صورها وأفضح مناظرها ما تستنكره الفطر السليمة ، والأعراف المستقيمة ، لماذا وأنت تتلذذ بالنظر إلى الأجساد الفاضحة ، تتناسى أن الله جل وعلا من فوقك ، مطلع عليك ، يرى حركاتك وسكناتك ، ويرى عيناك ، وهما تحدِّقان بالفاحشة ، ويرى سمعك وهو يتمتع بأصوات البغايا ، وأنت غافل أو متغافل عن رقابة الله لك ، وشهود الله عليك ومنها جوارحك ، التي ستشهد عليك يوم القيامة ، قال تعالى :﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ يوم تتكلم الجوارح وتشهد عليهم ، قال تعالى : ﴿ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون﴾ فيخاطب المرء جوارحه ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا﴾ ، ﴿ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ فأين استشعار شهود الله عليك ؟! وأين استشعار رقابة الله لك ؟! وأين الحياء من الله ؟! ألا تستحي أن يراك الناس أو أحداً من أهلك ؟! فمن أحق بهذا الحياء أليس الله أحق بذلك ؟ ألا تذكر اطلاع الله عليك عندما اختفيت عن أعين البشر ؟ لترى تلك الصور ، ألا تتذكر مَنْ لا تخفى عليه خافية، ولقد أحسن من قال :
إذا خَلَوتَ بريبـة في ظُلمةٍ والنفس داعيـة إلى العصيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
إن الأمر خطير ، والاستمرار عليه اخطر لأن حكم هذا المشاهد الساقطة والمقززة محرمه بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع المسلمين، فإن الله جل وعلا ، قد حرم مجرد النظر إلى النساء الأجنبيات أو مخالطتهنَّ ، ولو لم يكن في ذلك شيء من الفاحشة؛ كما قال تعالى:﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك ) رواه مسلم. فإذا كان هذا النهي عن النظرة العادية ، فإن حكم مشاهدة الأفلام الإباحية ، ولا شك التحريم القطعي ، الذي لا ريبة فيه ، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وإذا كان هذا حكم مشاهدتها ، فكيف بإشاعة هذه الفاحشة بين الشباب ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾النور .
هذا العذاب للذين يحبون إشاعة الفاحشة بين المسلمين ، فكيف بمَن يقوم ببث ذلك في بيوت المسلمين؟!إنها ولا شك أشد حرمة ، وان عليه وزرها ووزر من عمل بها قال صلى الله عليه وسلم:( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزر من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً ) رواه مسلم .
إن مشاهدة الأفلام الإباحية والاستمرار عليها ، يفضي إلى ما هو اشد حرمه كطلب الجماع فيما حرّم الله ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأته في الدبر) أخرجه ابن أبي شيبه والترمذي وحسنه وللأسف إن كثيرا ممن ابتلي بمشاهدة هذه الأفلام الساقطة ، يشتهي أن يطبق ما يراه فيها، والواقع خير شاهد على ذلك.
وقد أثبتت الدراسات النفسية ، أن من يشاهد الأفلام الإباحية ، تتأثر نظرته للعلاقة الجسدية ، ولا يحصل على الإشباع الذي يحصل عليه ، من لا يشاهد هذه الأفلام.
كما أن المدمن على مشاهدتها ، ينتهي به الأمر إلى أن زوجته لا تثيره جنسيا ، ولا تحرك شهوته ، وإن كانت أجمل الجميلات ، لأنّ الشّيطان يريد أن يُلبس عليه، وأن يضِّله وأن يوقعه في المعصية ، وقد تؤدي إلى انعدام الرّغبة في الزّوجة، وقد يؤدي ذلك إلى طلاقها ، لذا يحرم النظر إلى الصور الإباحية ، سواء كان عن طريق التلفزيون أو المجلات أو غيرها من الوسائل ، وهو من الجرائم المنكرة ، والأخلاق الدنيئة ، ويعظم التحريم ، لأن النظر إلى هذه الصور ، فيه مفاسد كثيرة ، منها تزيين الفاحشة ، وزهد الرجل بامرأته والمرأة بزوجها ، ومن أدخلها إلى بيته أو رضي بها فهو مضيع للأمانة وفيه نوع دياثة والعياذ بالله. ومن نظر إلى هذه الصور وداوم على مطالعة هذه المواقع قاده ذلك إلى الاستغناء بهذا عن الزواج المباح، أو التقصير في حق زوجته ، وقسوة قلبه، وزهده في الحلال، واشتياقه لمواقعة المحرم ، لأن الرجل الذي يرى هذه الصور والأفلام الإباحية قد لا تعجبه بعد ذلك زوجته فيكرهها وينبذها ويستغني عنها ويشعر باشمئزاز منها ، والخطر أنّها تقود إلى تقويض العلاقات الأسرية بشكل عام، كأنّ يمل الرجل من زوجته . الأمر يبدو واضحا إذا علمنا أن مدمن الخيال و الأحلام و مهما امتلكت زوجته من مقومات الجمال فسيملها ولن تبلغ في درجة إقناعه ما وصلت إليه أولئك النساء اللاتي يراهن في الأفلام ، وقد يغويه الشيطان ، فيبحث عن مصدر آخر للاستمتاع ، ظنا منه أن المشكل يكمن في زوجته ، فيتزوج عليها ، وإن كان ضعيف الدين ، يبحث عن خليلة تطفئ ظمؤه وهذا خيانة للزوجة ، ولا يدري أنه إن عاشر نساء الدنيا كلها ، فلن يصل إلى الإشباع الذي يبحث عنه ، ولهذا روج أعداء الإسلام وصناع الإباحية هذه الأفلام إلى بلاد المسلمين وأنشأوا قنوات متخصصة في هذا البلاء لزعزعة استقرار الأسر وتدميرها .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *