الإلحاد بدعة جديدة ، أسسها أتباع العلمانية وهي تدعو إلى التسامح والانفتاح على الثقافات الأُخرى ، واحترام حريِّة الرأي والتعبير ، وإلى الهبوط من سموِّ الأخلاق الإسلامية ، إلى حضيضِ الرذائل البهيميِّة ، تحت شعار الحريّة الشخصيّة وإلى محاربة الفضيلة ، إنها عقيدة ابتدعها من لا يؤمنون برب معبود ، ولا بيوم مشهود ، ولا يدينون بالشريعة الإلهيِّة ، ولا برسول البشرية غايتهم تزين المنكرات ، وإتباع الشهوات والكفر بخالق الأرض والسموات .
إنهم فئة ضالة غايتهم هدم الشريعة الإسلاميَّة أو عزلها من الحياة الإنسانية ، وحصرها في المسجد والعبادات الشخصيَّة ، وصد الناس عن التمسُّك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهم لا يفرق بين دين محرف وغير محرف فكل الأديان عندهم سواء ، يعبدون عقولهم وأهواءهم ، ذكر الله أمثالهم فقال تعالى : ﴿ أَرأَيت من اتخذ إلهه هواه ، أَفأَنت تكون عليه وكيلاً أَم تَحسب أنّ أَكثرَهُم يسمعُون أو يعقلُون إن هُم إِلاّ كالأَنعام بل هُم أَضلُّ سبيلاً ﴾ الفرقان 43. يعتقدون أن منهج الذين كفروا أهدى من منهج الذين آمنوا سبيلا ، فهم كما الله تعالى : ﴿ ويقولُونَ للّذينَ كفروُا هؤلاءِ أَهدى مِنَ الذينَ آمنوا سبيلاً ﴾ فهذا ابن القيم يصف حالهم فيقول : ” فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تدبرتها، وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت “إعلام الموقعين (1/50) ، وإذا ذُكر منهج الله تعالى وأراد الناس شريعته اشمأزت قلوبهم ،وإذا ذُكِر أيُّ منهجٍ آخر ، أو شريعة أخرى ، إذا هم يستبشرون وبه يرحِّبون ولا يتردَّدون قال تعالى : ﴿ وزيَّنَ لَهُم الشَيطانُ أَعمالَهُم فَصَدَّهُم عَن السَّبِيل﴾ العنكبوت 38
وقد بدأ انتشار الحركات الإلحادية والعلمانية بين المسلمين ، بعد سقوط الخلافة الإسلامية فنشرت الأفكار التي تعمل على هدم عقائد الأمة والمثل العليا في نفوس أبنائها ، من الناحية الاجتماعية ، بالإباحية في عاداتها وأخلاقها وتقليد الغرب في كل مناحي الحياة ، وعملت على استبدال منهج الله بالقوانين الوضعية ، التي لا تزجر مجرما ، ولا تؤدب معتديا ، ولا ترد ظالماً ، وظهرت نظم وأفكار ، نافست فكر الإسلام في نفوس أبنائه ، فنشأ جيل إلى غير الإسلام أقرب، تصدَّر تصريف أمور الأمة ، واحتل مكان الزعامة الفكرية والروحية والسياسية والتنفيذية، لدفع الشعوب إلى ما يريد ، بدأت أجهزة الإعلام تبث سمومها ضد الإسلام في كل اتجاه والعمل على استبدال العقيدة الإسلامية بعقائد القومية والإلحاد والوطنية الإقليمية، وسلخ الأمة عن دينها ، حتى ظنوا أن المسلمين قد فارقوا الإسلام إلى الأبد، وأن لا عودة له ، ولن تعقد لدولته راية، ولن يرفع لها لواء وما علم الذين يريدون فرض الإلحاد على الناس بالسلاح ، وبالقوانين الاستثنائية ، لا ولن يفلحوا لأن الشعوب مؤمنة بربها ، وفيّة لدينها ، وهي تأبى أن تجعل زمام أمرها إلا لدى عقل مؤمن ، وضمير يتقي الله ، لأن الإلحاد هدم للعقائد ، ومحو للفضائل ، فقرر سدنة الإلحاد وضع خطط لإفساد الناس وصرفهم عن دينهم ، وإضعاف الروابط التي تصلهم به ، وخلق أجيال فارغة من عقائد الإسلام وتعاليمه، وتشجيع حملة الأقلام الذين ينشرون المقالات الهابطة والذين يكتبون في كل شيء ، إلا في الإسلام وقضاياه ومطالبه ، وتبني رجالاً يزورون تاريخ الأمة ، ويشجعون الإسلاميين من أرباب البدع المفسدة وتشجيع المفكرين الذين يلمزون الإسلام ويغمزون أصوله وفروعه ، ودفع العلمانيين لصدارة المجتمع ، ووضع مقاليد الأمور قي أيديهم ، وإبعاد المسلمين المخلصين، فعملوا على هدم كل معتقد ، لأنهم لا علاقة لهم بوحي ولا معتقد ، ولو كان لهم علاقة بوحي ومعتقد ، ما صنعوا الذي يصنعون فهذا شاعر مسيحي يناجي المسيح
فيا حملا وديعا لم يخلِّف سوانا في الورى حملاً وديعا
أحبوا بعضكم بعضاً وعظنا بها ذئباً فما نجَّت قطيعا
فماذا نعمل إذا تحول سدنة الإلحاد إلى ذئاب يدوسون الشعوب ، ويخمدون أنفاسهم بكل وسيلة ثم ما معنى الصياح باسم الشعوب حين يراد قتلهم وقهرهم وإذلالهم ، وما معنى أن يطعن الدين في صميمه ، وأن يكون الملحد أنظف يداً من أهل الإيمان ، الذين تصدر التعليمات المتجبرة بقتلهم وإبادتهم حين يحتجون والحيلولة بينهم وبين ما يريدون، وإقصاء عقيدة الإسلام وأفكاره ، التي تزلزل أوضاعهم أن تحكم أو تسيطر ، وليتهم كما قال القائل :
وليت من لم يكن بالحق مقتنعا يخلي الطريق فلا يؤذي من اقتنعا
لذلك منذ ولد الإيمان ولد الجهاد معه ، لأنه من المستحيل أن تنتشر الدعوة في ظل دعاة الإلحاد والسطوة والاضطهاد ، ضد من لا ينشدون إلا حرية الكلمة ، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه ، فها نحن نرى السكارى بخمرة القوة يقولون للمؤمنين الضعفاء ، لا مكان لكم بيننا ، ما دمتم تطالبون التمسك بمنهج الله ، وكانت النتيجة البطش وتتابع الشهداء ، وتوجيه التهم الكاذبة لمن اعتقل ، وإصدار الأحكام القاسية بحقه ، وأصبح قتل الألف عندهم، كقتل الواحد وقتل الواحد كقتل ذبابة ، قتلوا أضعاف ما قتل الاستعمار والصهاينة ، فئةٌ لا تتقي الله في معاملة من ينكر عليها ارتدادها ، ويريد أن يستبقي الأمة على دينها ، أما علموا أن الأنظمة المرتدة لها حسابات غير حسابات الأنظمة الكافرة إنها حساباتٌ أقسى ، ولعل من معالم هذه الحسابات هو الفشل في الدنيا قبل الخزي في الآخرة ، ثم ماذا قدموا لشعوبهم ، أمام تَدَلُّلُ إسرائيل وتذللنا في المحافل الدولية ، سوى الكساد والبطالة والحيرة ، فماذا لو عادوا إلى التمسك بالإسلام وتابوا عن فتنة الشعوب المكروبة وإحسان الظن وارتقاب الخير ، ولا إلا أن نقول لهم ما قاله الله تعالى : ﴿ اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ﴾ هود 121 .
