إن الهجمة على الإسلام ، ديناً ومنهجاً ونبياً، بدأت منذ أن أظهر الله دينه وأهل الإسلام على اليهود والنصارى ، لأن حقدهم ومكرهم وحسدهم كان ولا يزال على الإسلام والمسلمين ، وهو ما أخبرنا الله به في قوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ البقرة 109 . فقد كان من وراء الهجمات والحروب الصليبية ، واحتلال العالم الإسلامي قبل وبعد الحرب العالمية الأولى ، مؤسسات دينية ودنيوية ولا ننسى قول قائدهم حين دخل دمشق عند قبر صلاح الدين الأيوبي : “ها قد عدنا يا صلاح الدين” ولكنهم رغم كل محاولات طمس الهوية وتبديل الانتماء ومحاربة الشريعة وتضييع الولاء للدين ، وجدوا أن الإسلام ما زال حياً في نفوس أبنائه ، وأيقنوا أن الصراع بيننا وبينهم لا تحسمه القوة المادية والعسكرية مهما بلغت ، لأنه ليس صراع مناهج وأساليب حياة ، بل هو صراع عقيدة في المقام الأول ، صراعٌ أعجز الباطل بكل قواه ، ولذلك فإنهم يحاولون إيقاع الهزيمة بالمسلمين معنوياً بالهجوم على مبادئ الإسلام وشرائعه ، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعسكرياً باحتلال بلاد المسلمين مرة أخرى ، فتعددت نوازل الأمة ومآسيها من الشيشان إلى أفغانستان إلى السودان والعراق والصومال والقائمة لا تكاد تنتهي، وكلما تراجعت نازلة أفسحت المجال لأخرى ، مما يدعو المسلمين إلى التمسك بالإسلام فهما وعملا ودعوة ، لأن هذه الهجمات ما هي إلا فرصة عظيمة لاستخراج طاقات كامنة في المسلمين نحو مزيد من الالتزام بمنهج الإسلام ، ولنتذكر أن إسلام حمزة -رضي الله عنه- كان عقب سب أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له حمزة: أتسبه؟ فأنا على دينه .
إن الله يقيض لمن يعادى نبيه صلى الله عليه وسلم أو يطعن في الإسلام من يقطع دعوته : ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ الكوثر 3 . فلو وعى المسلمون حقيقة دينهم وأحسنوا الرد على شبهات أعدائهم ، وأدركوا عظمة دينهم وشريعته ، لتمسكوا به وما فرطوا فيه ، ولما وُجد منهم من يجعل الغرب قبلته وتقليده ديدنه ويتجاهل أن البغضاء والعداوة مع الكفار لأجل كفرهم ، هي جزء من اعتقادنا بنص القرآن : ﴿ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ الممتحنة 4 . ولما وُجد من يقول لهم : “بيننا وبينكم كل مودة”، أو “الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”. متجاهلين أن المداهنة والسكوت عن باطلهم وترك دعوتهم إلى الإسلام غير مقبول شرعا .
إن ما حدث في سويسرا ومن قبلها بريطانيا والدنمرك وهولندا وخروج المظاهرات المنددة بما يسمى “الإسلام الفاشي” وما يدعو إلى مشاعر العداء والخوف والقلق من الإسلام خاصة في أوربا، ذلك أنها لم ولن تنسى أبداً أن جيوشها هزمت وأجليت من القدس وما حولها في الحروب الصليبية ، لذا فإن أغلب التيارات اليمينية في أغلب دول أوروبا متفقة على الخوف من المد الإسلامي سواء بالهجرة أو بتزايد عدد المتحولين إلى الإسلام أو ارتفاع معدلات الإنجاب بين الجاليات الإسلامية ، مما حدا بقيادات هولندية يمينية على سبيل المثال إلى إثارة مشاعر الخوف والقلق ، من انقلاب التركيبة الديموجرافية للدول بأكملها ، ليصبح المسلمون بها أغلبية في البلاد بعد عدة عقود ، لذا تعتزم هذه الدول اتخاذ إجراءات مشددة حيال تزايد أعداد المهاجرين إليها ، وخصوصاً من الدول الإسلامية ، فقد قال الرئيس الفرنسي ساركوزي بشأن محاولات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي : إن الاتحاد الأوروبي اتحاد مسيحي ولابد أن يبقى كذلك والموقف من تركيا ومن المسلمين بوجه عام ، موقف تاريخي وأيديولوجي يصعب للغاية تغييره ، فأوروبا لن تنسى بجانب هزيمتها في الحروب الصليبية ، أن أغلب دولها كانت تحت الحكم العثماني يوما ما ، وأن الأندلس كانت في يوم ما معقلاً للمسلمين ، ولهذا السبب أيضا وقفت أوربا كلها إلى جانب الصرب في حربهم العرقية البشعة ضد المسلمين في البوسنة والهرسك ، وما ذاك إلا خوفاً من قيام دولة إسلامية أخرى في قلب أوربا ، تغير من ثقافة وعقيدة القارة بعد حين .
والمشكلة ليست بجديدة على الجاليات المسلمة التي تعيش في أوربا أو حتى في أمريكا ، وهي عدم الاتحاد أو العمل على إقامة كيانات شرعية قوية تقوم على رعاية مصالحهم والذود عنهم ، في حال تعرضهم لأي انتهاكات ، صحيح أن هناك جهد مشكور يبذل من جانب بعض المنظمات لكنه للأسف ليس بكاف والدليل على ذلك هو السماح بانتشار الشعارات التي ترمز إلى المآذن على أنها رؤوس صواريخ ، دون محاولة تصعيد الأمر قضائياً باعتباره مهين لمشاعر المسلمين أو محاولة عمل شعارات مضادة للتيار اليميني المتطرف ، وبعيداً عن مدى أهمية المآذن في حد ذاتها كجزء من مكونات المسجد ، وهي أمر ليس بالمقدس ولا الضروري ، إلا أن هذه البداية وهذا النجاح في أمر قد نعده نحن صغيراً ، سيكون له تبعات قد بدأت تستشعره كافة الجاليات في الدول الغربية خاصة في ظل السماح ببناء أبراج الأجراس بالكنائس أو وضع نجمة داود على المعابد اليهودية أو غيرها من الشعارات الدينية ، وفي ظل صمت العالم الإسلامي وضعف الجاليات الإسلامية ، لتوضيح حقيقة هذا الدين والوقوف في وجه من يسبه ويسب رموزه بقوة ، كما تفعل الجاليات اليهودية في كل من يقترب من خرافة الهولوكوست ، الأمر الذي فتح المجال أمام المزيد من المكتسبات لهؤلاء ، ليخوضوا المزيد من معارك الترهيب والتخويف من الإسلام ، وهم مطمئنون إلى ضعف الرد الذي لن يتجاوز بعض الاستنكار أو الاحتجاج هنا أو هناك ، والدعوة إلى مقاطعة منتجات تلك الدول التي لا تستمر إلا لعدة أيام ، ثم يعود الأمر كما كان .
لنفرض أن بلداً مسلماً أصدر قراراً بمنع بناء أجراس الكنائس ، ماذا كان سيحدث؟ لقامت الدنيا ولم تقعد ولهاج العالم منتقداً الإسلام ، ووصفه بالإرهاب والتطرف وبالتعصب والعنصرية ، أما أن يحدث ذلك في قلب أوروبا في سويسرا بلد الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح والحياد والأمان ، فلقد جاءت نتائج الاستفتاء على اقتراح حظر بناء المآذن في المساجد وكأنه أمر طبيعي ، ليؤكد ذلك لكل مسلم مخدوع أن فكرة الحياد الدولي في سويسرا ، ما هي إلا وهم كبير نعم نحن نعلم جيدا أن المآذن ليست إلا رمزاً وعدم وجودها لا يؤثر على وظيفة المسجد ، ولا ينقص من صحة الصلاة ، لكنها حرب على الرموز ، وقد أخطأ من استهان بتلك المعركة ، فحرب الرموز أشد أنواع الحرب خطورة وتأثيراً ، لأن تغيير الرموز وتعديلها يرسخ مفهوم الانصياع التام ، ويؤكد ثقافة الانهزام أمام الأخر ، وهو أمر من الصعب علاجه ، ومن الأصعب أن يعود لأصله والحرب معهم تدور على جبهتين هما : العسكرية والفكرية ، والقضية أعمق وأكبر من مجرد مئذنة ، فقد شن الحزب اليميني المتطرف في سويسرا حرباً فكرية ضد المسلمين استطاع بها أن يكسب الشعب السويسري فاختار ملصقات بشعة تمثل علم سويسرا تقف عليه امرأة منتقبة بلباس أسود مغطاة بالكامل ، بينما يخترق العلم عددٌ كبيرٌ من المآذن التي بدت وكأنها صواريخ حربية وملصق آخر يُظهر عدداً آخر من المآذن المرتفعة في سماء سويسرا كُتب تحته عبارة : إذا أردت أن تكون بلادك بهذا الشكل فصوت لمصلحة بناء المآذن ، وملصق ثالث ظهرت فيه خريطة سويسرا وقد اخترقته مئذنة ضخمة وملصق رابع رسم لهم المآذن على شكل أجهزة تناسلية ترمز إلى فحولة المسلمين ، وطغيان النـزعة الذكورية لديهم ، وصوروا لهم الحضور الإسلامي في سويسرا كخطر يهدد أبنائهم في عقيدتهم المسيحية ، ولذلك كان تصويت السويسريين على منع بناء المآذن في المساجد الإسلامية فوق أراضيهم ، استجابة لدعوة عنصرية أطلقها الحزب اليميني وباركتها الحكومة ، من وراء الستار بقبولها عرض المسألة للتصويت ، إذن هي حرب على الإسلام ، ليس في سويسرا فحسب ، بل في كل الدول الأوربية التي تعيش بها جاليات مسلمة كبيرة ، فتجد أن الحزب اليميني المتطرف اليوم يحاول إثارة نقاشات مرتبطة بالمهاجرين ومدى اندماجهم في النسيج المجتمعي الأوربي وبدأت كل الحكومات الأوربية في التنسيق في ما بينها على الصعيد الأوربي ، لوقف الزحف الإسلامي إلى أراضيها ، فجاءت قوانين فرنسا بحظر ارتداء الحجاب بالمدارس قبل سنوات ، وتبعته بريطانيا عندما وضعت قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب ، أتضح أنها كانت موجهة أساساً لتجفيف منابع تمويل الجمعيات الإسلامية الخيرية في بريطانيا ، ووصلت الحمى إلى أسبانيا عندما منعت المدارس دخول الطالبات بالحجاب ، ومنع قاض محامية مسلمة تضع الحجاب على رأسها من دخول قاعة المحكمة ، وكل ذلك يتزامن مع طرح الرئيس الفرنسي وحزبه نقاشاً حول الهوية الوطنية ، ومعناها : إما أن يقبل المسلم في فرنسا بالانسلاخ والتجرد من جذوره الإسلامية العربية أو الأفريقية ، لكي ينتمي بالكامل إلى العرق الفرنسي والثقافة الفرنسية والهوية الفرنسية ، وإما أن يعود إلى حيث جذوره التي يفتخر بها ، وفي إيطاليا هناك عودة قوية لتحالف الشمال الذي يدعو إلى تضييق الخناق على المهاجرين ، خصوصاً منهم المغاربة ، وذلك بتسليط الأضواء عليهم في قضية الحجاب والصيام ، بل إن هذا التحالف كان وراء إجبار العمال المغاربة المهاجرين على الإفطار في رمضان أثناء العمل ، وفي سويسرا استبقوا الأمور وصوتوا لصالح حظر بناء المآذن ، وهذه القرارات التي تتخذ من أجل التضييق على المسلمين بطريقة ديمقراطية ، وذلك عبر الاستفتاء والتصويت وقوانين الهجرة ، وذلك للحد من المهاجرين المسلمين إلى أراضي أوربا والإقامة فيها ، ولعل ما تفعله أسبانيا الآن مع المسلمين المغاربة ، والتي تخطط لأكبر عملية طرد لهم من فوق أراضيها ، وما ذلك إلا من الخوف من الإسلام وقدرته الكبيرة على الانتشار في كل أوربا .
لم يُثبت التاريخ يوماً أن الإسلام عاش في كنف المسيحية واليهودية بسلام ، وإن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى المثل على قدرته على احتضان الديانات الأخرى وهو في أوج قوته ، ففي الأندلس عاش النصارى واليهود في كنف المسلمين طيلة ثمانية قرون .
إن الهجمة الشرسة الذي يتعرض لها الإسلام هذه الأيام ما هو إلا امتداد للحروب الصليبية ، وان من يجعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي السبب لهذه الهجمة لا يقرأ القرآن الذي يحذرنا من عداوتهم ، ولا يقرأ التاريخ لأن الغرب بقيادة أمريكا قد دمر بدل العمارتين دولتين -العراق وأفغانستان ، وها هي باكستان على الطريق ، وإن موضوع حظر بناء المآذن ما هو إلا نتاج الشحن الإعلامي الذي يشن على الإسلام عبر وسائل الإعلام الصهيونية في الغرب ، بهدف التخويف من الإسلام وعدم القبول به ، خاصة وهو الدين الأول انتشارا في الغرب بشهادة مراكز الدراسات الغربية ، وإن توظيف الأحداث الصغيرة التي يقوم بها بعض المسلمين وتضخيمها ، هو ما دأبت عليه وسائلهم الإعلامية ، مع أن هناك حوادث توازيها إن لم تكن اكبر منها قام بها صليبيون ، لم تعطيها تلك الأهمية ومنها تفجير أكلوهما وحوادث القتل في المدارس الأمريكية والأوربية ،فلم نسمع أحداً يتهم العقيدة النصرانية بالإرهاب ، بل إن هذا الإعلام نفسه وقف يختلق المبررات لما قام به المجرم الألماني الذي قتل مروة الشربيني بسبب ارتدائها للحجاب الإسلامي، ومن قبل هذا ما حدث من قتل الملايين من السود الذين تم أخذهم عبيدا من أفريقيا ، إن هذه المفارقات العجيبة تستدعي أن يقوم المثقفون المبهورين بالغرب إلى مراجعة أنفسهم ، والتوقف عن تزييف العقول العربية والمسلمة بمبادئ الغرب لأن ما تقوم به هذه الدول لا يدع مجالا للشك على أن الإسلام يعيش مرحلة نمو في دولهم ، ومرحلة يُتْمٍ في بلاد المسلمين وهذا اليتم يظهر من خلال ردود الأفعال الباهتة ، من المسلمين أنفسهم على إجرآتهم التي تمس إسلامنا وأقلياتنا المسلمة في بلادهم ولا نجد لها نصيرا ولكن ولله الحمد فقد تكفل بالحفظ لهذا الدين رغما عن أنوف الحاقدين وسيبلغ ما بلغ الليل والنهار : ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
