سعة رحمة الله


لقد غمرنا الله برحمته ، وعاملنا بلطفه ورأفته ، فسبقت رحمته غضبه ، لينقذ المؤمنين من العصيان فكتب على نفسه الرحمة قال تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) من تاب إليه نجا ، ومن توكل عليه كفاه هما وغما فكم غفر ذنبا ، وكم جبر قلبا وكم قبل متندما فمن أضاع أيامه في الغفلة ووقع في المعصية ، واقبل على الله بنيه خالصة ونفس طائعة ، فان النصوص تطمئنه بقبول التوبة والغفران فقد قال الله لنبيه صاحب الشفاعة : ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) وقد خاطب الله عباده المسرفين على أنفسهم بالمخالفة وبما اكتسبوا من الذنوب والمعاصي وظنوا أنهم لا يغفر لهم وقَنِطوا من رحمة الله فقال تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ) قال الشوكاني : ” هذه الآية أرجى إيه في كتاب الله ، لاشتمالها على أعظم بشارة ، فانه أولا أضاف العباد إلى نفسه ، لقصد تشريفهم و مزيد تبشيرهم ، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب ، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهم . روى أن رجلا كان يجتهد في العبادة فيشدد على نفسه ويقَنِّطْ الناس من رحمة الله ، فلما مات رؤي في المنام وهو بين يدي الله وقد قال : يا رب ما لي عندك ؟ قال النار قال : يا رب وأين عبادتي واجتهادي ؟ فقال له انك كنت تُقَنِّطْ الناس من رحمتي في الدنيا ، وأنا اليوم أقنِّطُك من رحمتي وقد انشدوا :
لا تقنطن فان الله منان وعنده للورى عفو وغفران
إن كان عندك إهمال فعند ربك أفضال وإحسان
فلو أراد الله إن يقنط من المسامحة بين يديه، لما أحال في مغفرة الذنوب عليه فقد قال الله : ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ ثم قال لما رأى عفوه وسعيا : ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا  فلو أراد الله عقوبة المؤمن وتخليده في جهنم ، لما ألهمه معرفته وتوحيده وقد قال : ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى ، الذي كذب وتولى﴾ وانشدوا :
يا من أساء فيما مضى ثم اعترف كن محسنا فيما بقي تعطى الشرف
وابشر بقـول اللـه في تنـزيله إن ينـتهوا يغـفر لهم ما قـد سلف
قال قتاده : ذُكر لنا إن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أشفقوا وخافوا أن لا يتاب عليهم ، فدعاهم الله هذه الآية : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ . وروى ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم ) وروى مسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تبارك وتعالى : ياعبادي أنكم تخطئون بالليل والنهار وانأ اغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني اغفر لكم ) . فالذنوب متلاشية عند حلمه وعفوه ، إذ لو بلغت ذنوب العبد ما عسى أن تبلغ ثم استقال منها بالاستغفار غفرت له لان طلب الإقالة من كريم ، والكريم محل لإقالة العثرات وغفر الزلات ، لكن الاستغفار الذي يتسبب بالمغفرة هو ما قارنه عدم إصرار فقد جاء في الخبر : ( المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه ) وقيل الاستغفار باللسان توبة الكذابين روى مسلم عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده لولم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) . وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث يصف فيه القيامة و الصراط أن الله تعالى يقول للملائكة : ( من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه من النار فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نر فيها أحدا ممن أمرتنا ، فيقول الله تعالى : ( رحمتي وسعت كل شيء ) فكان أبو سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤا إن شئتم : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنه يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ فيقول الله تبارك وتعالى شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء فلم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض قبضة فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط إلا التوحيد قد عادوا فحما ، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة ، فيخرجون منه كما تخرج الحبة من حَمِيل السيل- ما جاء به السيل من طين أو غثاء – فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم ، فيعرفهم أهل الجنة فيقولون : هؤلاء عتقاء الله أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ، ولا خير قدموه ، فيقال لهم ادخلوا الجنة فما رأيتم فهو لكم ، فيقولون ربنا قد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين ، فيقول الله تبارك وتعالى : ولكم عندي أفضل من هذا ، فيقولون : وأي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ابدا ) وما أحسن ما نشدوا :
رضاك خير من الدنيا وما فيها يا منية القلب قاصيها ودانيها
وما ذكرتك الا هِمْتُ من طرب كان ذكرك ألحان أغانيـها
فنظرة منك يا سؤلي ويا أملي أشهى إلي من الدنيا وما فيها
وليس للنـفس آمال تؤمّلها سوى رضاك فذا أقصى أمانيها
فال أعرابي :” يا رسول الله من يلي حساب الخلق ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الله تبارك وتعالى ، قال الأعرابي هو بنفسه ،فقال صلى الله عليه وسلم : نعم
فتبسم الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مم ضحكت يا أعرابي ؟ فقال له إن الكريم إذا قدر عفا وإذا حاسب سامح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صدق الأعرابي ألا لا كريم أكرم من الله وهو أكرم الأكرمين ) وسمع الأعرابي ابن عباس يقرا قوله تعالى : ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ فقال : ” والله ما أنقذكم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها ، فقال ابن عباس “خذوها من غير فقيه ” . وروى البخاري و مسلم عن عمر بن الخطاب انه قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تسعى وقد وجدت صبيا فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا لا والله فقال : الله ارحم بعباده من هذه المرأة بولدها ) . إذا كان الله سبحانه ارحم بالعبد من أمه ، فكيف لا يُقبل العبد على طاعته ويقلع عن معصيته ويقدم بين يديه ما يعود بالنفع عليه قال تعالى : ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ . قيل إن الله تعالى ألطف وأرحم ما يكون بعبده إذا نزل في لحده و جفاه من كان يرغب في قربه ووده فإذا وضع الميت على المغتسل ، وجرد من ثيابه ينادي وا سوأتاه وافضيحتاه ولا يسمع نداءه غير مولاه فيجيبه الله : عبدي أنا سترتك في الدنيا ، وأنا أسترك في الآخرة ، وإذا أخرج الميت وحمل على النعش ، فانه يصيح واغربتاه، فيقول الله سبحانه يا عبدي إن كنت اليوم غريبا فاني لا زلت منك قريبا ، فلا تخف فاني مقيل عثرتك وراحم غربتك ومؤنس وحدتك فإذا وضعوه في لحده ثم تركوه وانصرفوا ، فانه يصيح وا وحدتاه فيناديه ربه الكريم : عبدي علي تستوحش وأنا أنيسك ، وتشتكي الوحدة وأنا جليسك ، عبدي ألست بربك ؟ فيقول بلى يا رب فيقول الله يا عبدي كيف تركت ما أمرتك به واتبعت ما نهيتك عنه ، أما علمت أن مرجعك إلي وأعمالك معروضة بين يدي أنسيت عهدي أم أنكرت و عيدي ووعدي ، فقد تخلى عنك الآن الصاحب والصديق و تجردت عن المال الوثيق ، فلا المال نفعك في مآلك ولا الصديق خلصك من قبيح أفعالك ، فما حجتك وما معذرتك ؟ فيقول : يا رب احتوى فلبي على حب الدنيا وحب المال فحملاني على الذنوب والأثقال وها أنا صرت ضيفا في جوارك ، فلا تعذبني بنارك ، وان لم ترحمني فمن يرحمني غيرك فيقول الله تعالى : عبدي مضوا عنك وتركوك ، ولو أقاموا عندك ما نفعوك ، وإلى بابي وجهوك ، وعلى كرمي خلفوك ، عبدي طب نفسا وقر عينا فأنت الليلة ضيفي والكريم لا يخيب ضيفه يا ملائكتي أحسنوا ضيافته ، وكونوا عليه أشفق من أهله و قرابته .
تعصي وتجهر بالعصيان إعلانا واستر الذنب إنعـاما وإحسانا
ولا أجازي مسيئا بالفعال ولا اجزي الذي تاه عصيانا وعدوانا
من أتى تائبا بالذل منكسرا نعطيه من فضلنا عفوا وغفرانا
روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال فيما يرويه عن ربه : ( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وانا اغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني اغفر لكم ) . سال سائل أيما أفضل التسبيح والتهليل والتكبير أو الاستغفار ؟ فقيل له يا هذا الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون منه إلى البخور ولا بد من قرن التوبة بالاستغفار ، لأنه إذا استغفر بلسانه وهو مصر عليه فاستغفاره ذنب يحتاج للاستغفار و يسمى توبة الكذابين . وروى عن انس قال : سمعت رسول الله فيما يرويه عن ربه : ( يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة ) وأخيرا نقول ما هو الاستغفار الذي يمنع العذاب ؟ بالرجوع إلى قوله تعالى : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) نفهم بان الله لا يعذب مستغفرا أما من أصر على الذنب وطلب من الله مغفرته ، فان هذا ليس باستغفار مطلق ، ولهذا لا يمنع العذاب ، لان الاستغفار يتضمن التوبة والتوبة تتضمن الاستغفار وقد جاء الأمر بهما مرتبا بقوله تعالى : ( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) بمعنى الرجوع إلى الطريق الحق بعد مفارقة الباطل أي أن تطلبوا المغفرة من الذنوب والمعاصي ، وأن تتوبوا منها إلى الله عز و جل بالندم على ما مضى ، والعزم على عدم العودة إلى الذنوب في المستقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *