الحق هو: الواجب والصحيح والثابت شرعاً اعتقاداً وقولاً وفعلاً ، والباطل ضده ، فهما ضدان يتدافعان فكل حق ضده باطل, وكل باطل ضده حق ، ولا يجتمع الضدان, والتدافع بينهما يعني محاولة غلبة كل منهما للآخر, وهذا يتمثل بمدافعة أصحابهما ، لأنهما اللذان يحملونـها. وهذا التدافع أمر لا بد من وقوعه فلا يمكن بقاء أحدهـما إلا ويغالبه الآخر. يقول الله تعالى مقرراً هذه السنة الكونية: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ البقرة 251 فمحاولة جمع البشر جميعا على مذهب واحد وسياسة واحدة ونظام واحد ،كما يروج له النظام العالمي الراهن ، غير ممكن ولا واقع ، لأن الله جل وعلا لم يشأ ذلك ، ولم يرده كونا وقدرا كما قال سبحانه ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ هود 118 ، فلولا أن الله سبحانه وتعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق ، وأهل الفساد بأهل الصلاح والإصلاح ، وأهل الظلم بأهل العدل ، لغلب أهل الباطل وطغوا في الأرض ، وقد اقتضت سنة الله أن تكون مع الحق تؤيده وتنصره قال تعالى: ﴿ ويمحُ الله الباطل ويحقُّ الحق بكلماته ﴾ الشورى 24 وقال : ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾الإسراء 81 . فأهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على الباطل ، بل يسعون إلى سحق الحق وأهله وصد الناس عنه بالقتال وبذل المال ، وهذا شأن الباطل وقوته ، هذه القوة تدفعه إلى إزالة الحقِّ وأهله بالقوة قال تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ البقرة 217 ، وإذا كان هذا شأن الباطل وقوته التي تطغيه ، فلابد للحق من قوة تحميه من طغيان الباطل وأهله ، ولهذا أمر الله تعالى بإعداد القوة لإرهاب الباطل ، وأمر الله أهل الحق بالجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ ﴾ الأنفال 39 فكان من فضل الله على عباده ، أن شرع الجهاد وأكد عليه ، وشدد في أمره ، وربط الحياة به وجعل التهلكة في تركه ، ليقوم المؤمنون بالجهاد ، لمقارعة المفسدين، وقمع المتسلطين المجرمين ، فأهل الحق حرب على الباطل وأهله في كل زمان ومكان والله ناصرهم ما نصروا الحق .
إن حب السيطرة وتنازع البقاء بين البشر ، يجعلهم متصارعين متدافعين متغالبين . وهذا التدافع في تقديري ، لا يخص المسلمين والكافرين فحسب ، بل يشمل كافة الناس على اختلاف توجهاتهم واعتقاداتهم ، غير أن الصراع الأقوى والتدافع الأبرز ، هو التدافع بين الحق والباطل وأصحاب الحق وأصحاب الباطل ، وهذا لا مفر منه لأنهما نقيضان لا يجتمعان، ولأن تطبيق أحدهما يستلزم دفع الأخر وإزالته، لأن كلمة التدافع تعني الإزالة بقوة ، حيث يسعى كل من أهل الحق والباطل إلى تنحية الآخر عن مكانه ومركزه والغلبة عليه، ولذلك أمر الله المؤمنين بأخذ الحيطة والحذر بالإعداد ، والأخذ بأسباب القوة ، لإرهاب أهل الباطل ، ومنعهم من العدوان قال تعالى : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ الأنفال 60 وقد ضمن الله لعباده النصر والغلبة على أهل الباطل ، وحكم على الباطل بالمحق والزوال ، قال تعالى : ﴿ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ الشورى 24 .
وقد بين الله لنا بما يدل على أنه سيوجد في الأمة الإسلامية في كل عصر من يحمل الرسالة , فكلما جاء جيل قيض الله تعالى منهم من يحمل الراية ويقيم الحجة على أهل عصره فقال تعالى : ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ 181 الأعراف والاسم الخاص الذي ميز الرسول صلى الله عليه وسلم به هؤلاء هو : الطائفة المنصورة في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) رواه الترمذي, وابن ماجه وأحمد . يهدون بالحق, وبه يعدلون وهي الطائفة التي يحاربها الأعداء ، ويضعون في طريقها الأذى , فلا يضرونها إلا بالتعب والجهد قال تعالى : ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ آل عمران. إن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية، ولولا هذا الصراع ما فرض الجهاد، وما خلقت النار وبئس المهاد، وما وجدت الجنة لخير العباد، ولما نودي يوم التناد: ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ الشورى 7 وجيء بالأشهاد. إنه صراع منذ قديم الزمان بين الموحدين والملحدين، وبين المشركين والمسلمين ، بين من يرجون الله واليوم الآخر، وبين من لا يرجون لله وقاراً ، وستبقى سنة الله ماضية ، والظافر: من كان في الحياة على البلاء صابر، والخاسر: من كان لكل حق مكابر
إن أعداء الإسلام يتناصرون بمقتضى العداوة ، وقد يكون بينهم من الخلاف والصراع ، الشيء الكثير، لكنهم حين يواجهون الإسلام يكونون صفاً واحداً فاليهود والنصارى بينهم عبر التاريخ خصومات طويلة , ومع ذلك كما يقول الله تعالى : ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ المائدة 51 في حرب الإسلام ومواجهته , فهم حين يكون العدو هو الإسلام ينسون خصومتهم الداخلية والفرعية ويوحدون المواجهة ضد الإسلام وأهله , لذلك على حملة الإسلام أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض , وأن لا ينشغلوا ببعضهم البعض ، لأنهم بحاجة ماسة إلى أن يجتمعوا تحت راية واحدة ، مهما اختلفت اجتهاداتهم وآراؤهم وبلادهم , فهذه القضايا ليست مدعاة إلى أن يتفرق أهل السنة والجماعة . إلا إذا كان الخلاف خلافا عقدياً ، فهنا لابد من توضيحه , لئلا يلتبس الحق بالباطل على الناس .
هناك حرب إعلامية ضد الإسلام وحملته, حملةٌ تشوه الحق وتلبسه لبوس الباطل، وتلبس الباطل لبوس الحق بزخرف القول ، قال تعالى : ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ 112الأنعام ، فالآية توضح الجهد الذي يبذله أهل الباطل في تزيين باطلهم, وفى تشويه الحق ولذلك نجد الحملة الإعلامية العالمية اليوم ضد الإسلام تسمي المسلمين: بالأصوليين, أو المتشددين أو المتطرفين أو الإرهابيين ، وغير ذلك من العبارات التي تبثها وكالات الإعلام العالمية, وتتناقلها حتى الإذاعات والصحافة في البلاد الإسلامية على أنها عبارات دارجة ، وما تهييج الغريزة والجنس والإثارة ، والأفلام والمسلسلات والمسرحيات ، وغير ذلك من وسائل الهدم والتخريب ، التي تبثها وسائل الإعلام ، والتي تسير في اتجاه زخرفة الباطل وتلبيسه بالحق ، ما يؤكد أن الكلمة من أخطر ميادين الصراع ، فكما أن لكلمة الحق وقع كبير , فإن لكلمة الباطل تأثير كبير, ولذلك فإن أهل الباطل يعملون على زخرفة باطلهم بالعبارات الرنانة والكلمات المعسولة, وما ينخدع بها إلا من قال الله فيهم : ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ 113الأنعام
إن لوسائل الإعلام الأثر البالغ في تغيير مفاهيم الناس وسلوكهم وآراءهم, وهناك الكثير من القضايا الاجتماعية ، استطاع الإعلام أن يغير فيها سلوك الناس ، فقامت صحف ومجلات وكتاب يهاجمون ما أسموه (التقاليد) وهم يقصدون الدين الذي ورثه المسلمون عن آبائهم وأجدادهم ، وينادون بضرورة تحطيمها ، وتخليص المجتمع من أغلالها.. ومما ركزوا عليه تحطيم حجاب المرأة وسترها، وعفافها ووجوب الاختلاط وإباحة التكشف والعري .
وفي عالم السياسة ، قامت أحزاب تبعد الدين عن مجالاتها ، وتحرم الخوض فيه، وفي عالم الاقتصاد قامت بنوك ومؤسسات ربوية تتعامل بالربا ، وفي عالم الفكر ، قامت نظريات وآراء وأفكار تسخر من الدين، وتنظر إليه على أنه خرافة وجهل وتأخر .
لقد تجلى الصراع في هذا العصر بين الإٍسلام والكفر، فنرى الأعداء يجدّون ويشدّون، ونرى المسلمين في غفلتهم يعمهون، عن معاينة هذا الصراع، وعن الأخذ بأٍسباب القوة والحذر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا﴾ النساء 71 . إن أخذ الحذر سنة شرعية يأثم المسلم بالتفريط فيها كما أنه سنة كونية أمرنا باعتبارها بل وتسخيرها لخدمة الحق الذي نؤمن وكما جاء في الحديث : ( الحكمة ضالة المؤمن فحيثما وجدها فهو أحق بها ) الترمذي، وقد أدى غياب هذا الجانب إلى إجهاض الأعمال، واكتشاف الأسرار واختراق الصفوف، وضياع الفرص وذهاب الرجال، ونشر الفتنة ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ الحشر
