لقد دلت الآيات القرآنية على أن التداول سنة من سنن الله :﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾ آل عمران 140 ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ محمد 38 وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سنة التداول هي التي جعلت وتجعل خط سير التاريخ يأخذ شكل الدورات فكما يتم التداول بين الليل والنهار كذلك يتم التداول بين العدل والجور ، وبين الصعود والهبوط ، وبين التقدم والتخلف وبين النهوض والانحطاط ، وصدق رسول الله إذ يقول : (لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره ، ثم يأتي الله تبارك وتعالي بالعدل ، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله ، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيرة ) رواه الإمام أحمد .وإذا كان الحال كذلك مع سنة التداول فإن الهزيمة النفسية لا يجوز لها أن تعرف مكانا لها بين الأمة ، التي تؤمن بهذه السنة ، مهما اشتدت المحن وطال الليل ، وتكاثفت الظلمات خصوصا مع تصديق التاريخ على صدق سنة التداول ،في مراحل التاريخ ، ومع البشائر التي تؤكد عليها الأحاديث النبوية كقوله صلى الله عليه وسلم :(الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ) وان هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة(لا تجتمع أمتي على ضلالة ) إن الأمة الإسلامية تمتلك وطنا متكامل أقطاره ،وتبلغ مساحته أربعة أضعاف مساحة الصين ،ويبلغ تعداد هذه الأمة، ربع البشرية وتمتلك من الثروات المادية المقام الأول في هذا العالم ، ولا زالت تمتلك الجوامع الخمسة ، وحدة العقيدة ووحدة الشريعة ،ووحدة الحضارة ، ووحدة الأمة ،وتكامل دار الإسلام ، فضلا عن الرصيد الحضاري الذي تعلمت منه الدنيا والذي جعل هذه الأمة الأول في العالم لأكثر من عشرة قرون ، بينما عمر الغرب كعالم أول لم يتجاوز قرنين من الزمان ، فإذا وعت هذه الأمة تاريخها في ظل سنة التداول وإذا أدركت أرصدتها الحضارية والمادية في ظل هذه السنة فإن الهزيمة النفسية التي هي أخطر تحديات واقعنا المعاصر لن تجد لها طريقا مفتوحا إلى عقول هذه الأمة وقلوبها ، لأن الوعي بعمل سنة التداول في التغيير والنهوض عبر تاريخها وتاريخ الأمم الأخرى يقول :لقد كانت الفتوحات الإسلامية التي فتح فيها المسلمون في ثمانين عاما أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون ، والتي هزم المسلمون فبها قوى الروم والفرس ، التي قهرت الشرق عشرة قرون ،تجديدا لسنة التداول بين الأمم ، وكان التحرير الإسلامي ، ضد التتار والحملات الصليبية التي دامت قرنين من الزمان ، من سنن الله الاجتماعية أن الله لا يبدل ما بقومٍ من عافية وأمنٍ وعزةٍ ونعمة وسلطانٍ ومنعة إلا إذا كفروا تلك النعم، وارتكبوا المنكرات، وغيّروا حالهم من الطاعة إلى المعصية، ومن اتباع منهاج الله إلى اتباع الأهواء ومن حاكمية الله إلى سلطان البشر، وقد ورد في الأثر: (أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية، ولا أهل بيت، يقومون على طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله ،إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾الرعد 11 .وبتطبيق هذا النص على حال أمتنا اليوم نرى مدى حاجتها إلى تغيير أحوالها ، وتغيير النوايا والسلوك والأعمال ، فقد ربطت مشيئة الله تغيير الأحوال سلبًا أو إيجابًا بنية الأفراد والجماعات والأمم، فإقبال الأمة بنية خالصة لله، مع العمل الصالح والسلوك السوي ،يرشحها للتغيير نحو الخير والأفضل؛ لأن الجزاء من جنس العمل، والله يقول: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَليمٌ﴾ الأنفال 53 ، فتغيير الحال لا يكون بالتمني والأماني ولكن بالعمل الجاد والنية الخالصة والسلوك القويم فمن أراد أن يصل إلى بر الأمان وشاطئ السلامة فعليه أن يعد الزاد من التقوى والعمل الصالح، وأن يحكم السفينة ويتعهد الراحلة، وإلا كان كما قال القائل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسـالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس
في هذه الأيام نرى أن الأمة غيرت وبدلت، فقد ذبحت العقيدة شر ذبحة، فقد كانت العقيدة إذا مس جانبها ، رأيت المؤمنين الصادقين يبذلون من أجلها الغالي والنفيس. لأن عقيدة التوحيد ، عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم ، واليوم فقد غيرت الأمة في مجال العقيدة وفي مجال العبادة، وفي جانب التشريع فنحت شرع الله ، والله جل وعلا يقول:﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾النساء:65 ،وغيرت في جانب الأخلاق والمعاملات والسلوك ، فكانت السنة الحتمية لهذا التغيير كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾الرعد 11،ولذلك ذلت الأمة بعد عزة، وجهلت بعد علم وضعفت بعد قوة، وأصبحت الأمة في ذيل القافلة البشرية، تتأرجح في سيرها، لا تعرف من توالي، ولا من تعادي، ثم وقعت سنة التداول ﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ آل عمران14، فالدولة الآن للكفر وأهله وما انتصر الكفر إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله! سنن لا تتبدل! فالله لا يعجل لعجلة أحد، واعلم بأن الله يسمع ويرى ما يجري الآن على أرض المسلمين ولا أحد أغير على الحق وأهله من الله، وليس أحد أرحم بالمستضعفين من الله، لكنها السنن، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قائد المعركة في أحد، فتخلى بعض الصحابة عن بعض أسباب النصر فكانت الهزيمة، وهي سنة ربانية لا تتغير ولا تتبدل، عصى بعض الصحابة أمراً من أوامر رسول الله فكانت الهزيمة، فكيف تنصر الأمة الآن وقد ضيعت شريعة الله سنة الله لا تحابي ولا تجامل أحدًا، فإذا أدركنا ذلك وطَّنَّا أنفسنا، وهيَّأْناها للتعامل مع أقدار الله: هِي الليالي كَمَا شَاهَدتّها دُوَلٌ مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَان ، إن سنة التداول ستظل قائمة توحي بالحركة الدائمة والتجدد والأمل، وأن الأيام ليست ملكاً لأحد من الناس، ولا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم الآن في القمة سوف تنتهي بهم السنن الكونية إلى الحضيض، ومن هم في القاع سوف تصعد بهم أعمالهم الصالحة وفق السنن الإلهية الكونية بإذنه تعالى إلى القمة وإلى القوة والعزة، إن هم أخذوا بأسباب ذلك؛ لأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى:﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
