سنة التغيير

التغيير سنة الله تعالى في خلقه، ويأتي التغيير في الكون والحياة ، تحقيقًا لهذه السنة ، ما بين تغيير إلي الأحسن، أو تغيير إلي الأسوأ ، والإسلام دين الحق ، يراعي متطلبات البشرية وأحوال العباد وقد خلق الله الناس على قابلية هذا التغيير؛ لأن الناس يختلفون في صفاتهم وأحوالهم واستجابتهم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ هود 118 وقد جاءت رسالة الإسلام ، لإحداث تغيير كامل في فكر العالم كله ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾آل عمران 83. جاء الإسلام لتغيير نفسية الناس ، وإصلاح عيوبهم، ونبذ الجاهلية السائدة بينهم ، وغيَّر كل المفاهيم المغلوطة في حياتهم وانتهج الحكمة والتدرج في التعامل مع النفس البشرية ، في العبادات والمعاملات والأخلاق والمأكل والمشرب والملبس والنكاح ، وعندما تغيرت ملامح هذه الأمة إلي الأحسن، وتغير فيها كل شيء ، وصفها الله تعالي بالخيرية : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ آل عمران 110، ومن هنا فإن الإسلام تقوم فلسفته علي إصلاح نفوس البشر ، بما يتفق مع فاعلية هذا التغيير وإيجابيته وهكذا وصف الله الأمة: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران 104 . وإصلاح نفوس البشر ، هو التغيير الحقيقي الذي ننشده؛ وقد عاصرنا التحولات والثورات التي لم تنجح في تهيئة الناس ، لاستقبال التغيير في الوجوه السياسية والاجتماعية ، وبدل أن نجني ثمار التغيير بصلاح أمتنا، فإننا نزداد في المعاناة والبؤس واشتداد الفاقة ، وزيادة الأوجاع والغلاء وفقدان الأمن والأمان ، مما يدعو للتساؤل : ما هو التغيير المطلوب ؟ إن التغيير المطلوب ليس في الأشكال والأقوال ، ولا في التصريحات، إنما التغيير الذي نرجوه ، في تغيير الفرقة والشتات إلي اتحاد واعتصام ، وتغيير التشاؤم إلي الأمل وفسحة العيش والرزق ، وتغيير العجلة والاندفاع إلي الحكمة والتروي ، إن التغيير الذي نرجوه ، هو في ترقب الفرج ، والتحول من العسر إلي اليسر ومن الضيق إلي السعة قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ التوبة 118 إن إخراج الأمة مما هي فيه ، مطلب لابد منه لأنها تعاني من النكباتٍ والإحباطات ، ما يجعل الحاجةَ ماسةً إلى تغيير ما بالأنفس ، حتى يغيّر الله ما بها ، لأن التغييرَ لا يهبطُ من السماء، ولا يتمُّ في أروقةِ الأممِ المتحدة، ولا يُستجدَى بالمساوماتِ والتنازلات ، هذا التغيير بحاجة إلى جهد، وهذا الجهد ، لا يكون إلا بالبشر أنفسهم فهم الذين يباشرون التغيير المنشود : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ الرعد 11 إن من سنن الله الاجتماعية أن الله لا يبدل ما بقومٍ من عافية وأمنٍ وعزةٍ ونعمة وسلطانٍ ومنعة إذا كفروا تلك النعم، وارتكبوا المنكرات، وغيّروا حالهم من الطاعة إلى المعصية، ومن إتباع منهاج الله إلى إتباع الأهواء ، ومن حاكمية الله إلى سلطان البشر، قال ابن كثير ، قال ابن أبي حاتم : “أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يقومون على طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون” ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ .
فقد ربطت مشيئة الله ، تغيير الأحوال سلبًا أو إيجابًا ، بنية الأفراد والجماعات والأمم، فإقبال الأمة بنية خالصة لله، مع العمل الصالح والسلوك السوي ، يرشحها للتغيير نحو الأفضل؛ لأن الجزاء من جنس العمل، عن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة فقال : ” كنت إذا سكت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأني وإذا سألته عن الخبر أنبأني ، وأنه حدثني عن ربه – عز وجل – قال : قال الرب : وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ، ما من أهل قريةٍ ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي ، إلى ما يحبون من رحمتي ” والله يقول: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الأنفال 53 ، فهذه الآية تبين لنا أنهم إذا كانوا في نعمة ورخاء وخير ، ثم غيروا بالمعاصي ، ثم تابوا وندموا واستقاموا على طاعة الله ، فغيَّر الله حالهم من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة ، وغير تفرقهم إلى اجتماع ووئام ، وغير شدتهم إلى نعمة وعافية ورخاء ، وغير حالهم من جدب وقحط وقلة مياه ونحو ذلك إلى إنزال الغيث ، ونبات الأرض وغير ذلك من أنواع الخير .
فتغيير الحال لا يكون بالتمني والأماني، ولكن بالعمل الجاد ، والنية الخالصة ، فمن أراد أن يصل إلى بر الأمان ، وشاطئ السلامة ، فعليه أن يعد الزاد من التقوى والعمل الصالح ، وأن يحكم السفينة ويتعهد الراحلة، وإلا كان كما قال القائل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس
فكيف يغير الله حال الأمة ، وهي تقيم على المعاصي، وقد مارست ألوانًا من الصدود والإعراض ووالت الأعداء ، الذين حرصوا على توسيع دائرة التمزق فيها، فصنعوا منها دويلات متناحرة فلماذا لا نغير ما بأنفسنا ونحن نرى أغدائنا ، يغتصبون ديارنا، ويستذلون أهلنا، ويسفكون دماء الأبرياء من إخواننا، ولا نرى حراكاً من أحد ؟ إن حال الأمة لن يتغير إلا بالعودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتوبة والاستغفار ، فذلك طريق من طرق التغيير والإصلاح ، وباب من أبواب الفلاح، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، قال تعالى في بعض الأمم : ﴿ َأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾الأنعام 6 فكانت ذنوبهم سببًا لهلاكهم وتدميرهم، وقال تعالى: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ المطففين 14 ، كسبهم من المعاصي والذنوب ، حال دون صلاحهم واتعاظهم ، وانتفاعهم بالمواعظ والتوجيهات قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ﴾يونس 57 فهل وعينا هذه الموعظة المباركة ، وجعلناها مداد الإيمان ووقود اليقين ؟ وهل جعلنا منها زكاة للأنفس وطهارة للأفئدة ؟ وعنوانا للجد والعمل والمقاومة؟ أما آن لنا أن نرجع إلى القرآن الذي ضمن لنا التغيير والإصلاح، وضمن لنا الرفعة والظهور، وهو الذي بعث في قلوب العرب وقود الإيمان والشجاعة، فهابهم الناس ، وتخوفهم الأعداء، حملوا الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، فغيّر الله أحوالهم ، من الضعف إلى القوة ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الضلال إلى الإيمان ومن الذل إلى العزة، وغدت دولة الإسلام هي الدولة الأولى في العالم ، عدة قرونٍ من الزمان حكّموا كتاب الله ، وسنة رسول الله ، فأيّدهم الله بنصره، وأمدّهم بتوفيقه وعونه، ومكن لهم في الأرض، واستخلفهم فيها قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ النور55
إن السنة الربانية ، بالتمكين للأمة الإسلامية واضح غاية الوضوح، ولكن هذا التمكين ، لا يمكن أن يتأتى في ظل الوضع الحالي للأمة الإسلامية ، لأنه لابد من التغيير، كما أن التمكين لن يتحقق لأمة ارتضت لنفسها حياة المذلة والتخلف، ولم تحاول أن تغير ما حل بها من واقع مرير ، وأن تتحرر من أسره .
إن على كلّ فرد من أفراد المجتمع، مهما كان موقعه وشأنه- أن يشعر أنه مسؤول ومساءل فيبدأ بإصلاح نفسه وبيته، ثم تتسع دائرة الإصلاح ، حتى تشمل جلساءه وجيرانه ومجتمعه.
وأن يحذر من اليأس والقنوط ، وأن يحسن الظن بالله تعالى، وأن يستشعر معاني الآيات المحذّرة والمرهبة من اليأس، كقوله تعالى: ﴿ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الزمر53 وقوله تعالى: ﴿ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّالْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ يوسف 87 . وعليه أن يتذكر النصوص المبشرة والدالة على حصول اليسر بعد العسر : لقوله تعالى : ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ البقرة 214
فالتغيير سنة من سنن الله في الكون ، وما سقطت أمة من الأمم من عرش عزها، ولا بادت ومحي اسمها من لوح الوجود ، إلا بعد نكوبها عن تلك السنن، التي سنها الله على أساس الحكمة البالغة إن الله لا يغير ما بقوم، من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش ، وأمن وراحة، حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر ، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة ، والتدبر في أحوال الذين حادوا عن صراط الله ، فهلكوا وحل بهم الدمار، ثم لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق الحكمة، كما حادوا عن الاستقامة في الرأي، والصدق في القول والسلامة في الصدر ، والعفة عن الشهوات، خذلوا العدل، ولم يجمعوا هممهم على إعلاء كلمة الله واتبعوا الأهواء الباطلة ، وانكبوا على الشهوات الفانية، وأتوا عظائم المنكرات، فخارت عزائمهم، وشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة، واختاروا الحياة في الباطل ، على الموت في نصرة الحق فأخذهم الله بذنوبهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين.
وفي حديث جرير بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما مِن قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقْدرون أن يغيِّروا فلا يغيرون إلاَّ أصابَهم الله بعقاب) أبو داود

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *