هدد الله تعالى عباده المؤمنين بالاستبدال في حالات منها : الردة عن هذا الدين، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾المائدة:54 ، ومنها : عدم نصر دين الله وإعلاء كلمته، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ﴾ التوبة:38 . ومنها : عدم الإنفاق من أجل هذا الدين قال تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ محمد:38. فمن تولى عن هذا الدين وعقيدته، أو تولى عن نصره، أو تولى عن الإنفاق من أجله، فلن يضر إلا نفسه ، فالحقيقة واضحة عندما تلمس وترى آثار عمل يد الله تعالى، وتعلم أن هذا الكون ليس متروكًا عبثًا ولا سدى، بل هناك رب فوق العرش لا يترك الحياة للباطل ، وإنما يدفع مرة بعد مرة : ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ البقرة من الآية:251 . وتبقى الحقيقة من وراء هذا الاستبدال وهي أن هذا الدين ماضٍ في طريقه ليحدث في الأرض ما شاء الله تعالى من أقدار، وأنه غالب ، ولا بد أن يتشرف به وبنصره من شاء الله له الرفعة، ويخذل عنه وعن نصره من سقط من عين الله تعالى ، فعندما يسقط من يسقط ، ويتراجع من يتراجع ، يتولى الله تعالى الدفع بنبت آخر، ليبقى للحق مدافعوه، ويبقى الباطل في حال انزعاج دائم من كرّ الحق عليه.. هذه هي حقيقة الأمور ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ الأنبياء 18. إذن الأمان أن تقف إلى جانب الحق حتى لو بدا منكسرًا إلى حين، لأن الموازين والتقلبات مؤقتة، والأمور تتغير وما زالت أنهار الحياة جارية تتقلب أمواجها، والباطل خفيف وبيء، مليء بالثقوب! فلا يخدعنك أحد أن الباطل مستقر بل ابق مع الحقيقة التي أخبر الله تعالى بها.
إن مطابقة السنن القرآنية للسنن الكونية ، هو قانون التغيير للمجتمعات البشرية ، ففي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى ، في تغيير واقعه ، من واقع تفشت فيه عبادة الأوثان ، والاستبداد والظلم ، سواء تمثل في تطبيق القانون على طائفة دون أخرى ، أو في الاستبداد الربوي فضلا عن الانغماس في رذيلة الخمور والفجور، وقتل البنات ؛ عندها اصطفى الله نبيه ، لتبدأ جهود التغيير ، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته الناس سرا ثم جهرا ، يدعو لعبادة ربه وحده لا شريك له، مع غرس مفاهيم خشية الله في نفوس أصحابه وقد بدأت بوادر الصراع بالتعدي على كل من أعلن إسلامه مما اضطر الصحابة الكرام للهجرة إلى الحبشة ، وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله بإذنه إلى أن جاءه الأمر:﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ الأنعام 135، ومن الطبيعي والنبي صلى الله عليه وسلم يطالب قريش بالعمل بما في الوسع ، بأن العاقبة ستكون له ، وكله ثقة بربه ، أن الله لا يفعل إلا خيرا، ويثبت المؤمنين ويؤكد وعده بقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ القصص 85 ، ويؤسس الرسول الكريم دولة الإسلام بالمدينة المنورة .
أما كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم الانتقال عبر معايير السنن الإلهية من شخص مهمش منبوذ من قومه إلى أمير دولة الإسلام ؟ ذلك لأن القواعد الكبرى للسنن الإلهية هي القواعد التي يبين فيها الله إرادته في ملكه ، ومن المعلوم أن قول الله فعل ، وإن فعله قول:﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ القصص ، وقد اقتضت إرادة الله المنُّ بالنصر على المستضعفين ، ورأينا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه يرزحون تحت التعذيب والإهانة إلى أن اضطروا للهجرة بدينهم أولا إلى الحبشة ثم منها إلى المدينة ثم ما كان من عاقبة أمرهم النصر والظفر بمكة وفق ما وعد الله .
ومن هنا نستخلص كيف انقلب المستضعف وارثا ممَّكنا في الأرض ، ومن هنا قرر العلماء بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فالعهد بالنصر لكل المستضعفين أيا كان جنسهم ، ودينهم ولغتهم ، والآية نزلت تخبر بما ستصير إليه الأمور في شأن موسى وقومه ، حيث كانوا مستضعفين من فرعون وملئه : ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ يونس 83 ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾القصص 4 ، ولما عزم فرعون على اجتثاث موسى وقومه ليحسم أمرهم ، حسم الله الأمر لمصلحة موسى ومن معه ، وأهلك فرعون ومن معه أرادوها حسما ، فكانت كذلك ، لكنها لصالح المستضعفين.
وهنا نتساءل أهذه السنن خاصة بمن سلف ذكرهم أم هي عامة لكل من سلك سبيلهم ؟ يجيب القرآن :﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ إبراهيم 14، إذن القاعدة عامة لكل من سلك مسلك النيين ، وسار على دربهم وقد يقول قائل : رأينا كيف ينقلب المستضعف وارثا، فكيف ينقلب الوارث مستضعفا ، أو كيف كانوا بالأمس هم الأسياد ؟ وكيف انقلبوا أذلة ؟ إنها السنة لكل من سار على دربهم وما كانت السنة إلا بتكرار الفعل ، لكل وارد على نفس الدرب.
سنة الله بالاستبدال
