سنة الله في أخذ الكافرين والظالمين

دعانا الله تعالى في كثير من آياته إلى السير في الأرض ، لمعرفة سنته تعالى في أخذ الكافرين والظالمين ، وذكّرنا بمصارع الغابرين ، والأقوام السابقين . ليبين لنا أن هذه هي سنته في أخذ الكافرين في كل زمان ومكان ، مهما عظمت دولتهم وقويت شوكتهم ، لأنهم لما نسوا الله تعالى هانوا عليه فأهلكهم ومضت قصصهم عبرة لكل متجبر وظالم ، وبقيت آثارهم عظة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، حتى يعلم المؤمن أن أهل الباطل مهما بلغت قوتهم ، وصالوا وجالوا فلن يعجزوا الله تعالى ، وأنه لهم بالمرصاد ، وما هو بالإهمال لهم بل هو الإمهال والإملاء ، حتى يحين أجل الله وموعده بأخذهم وإهلاكهم وزوالهم وذهابهم .
أما إن إهلاك الكافرين والظالمين سنة من سنن الله تعالى فهذا مقرّر في قوله تعالى : { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ، فهل ينظرون إلاّ سنَّةَ الأولين ، فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا } فاطر 43 . وأما دعوة الله تعالى لنا بالسير في الأرض ، والنظر في حال الأمم السابقة التي أهلكها الله ففي قوله تعالى :{ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين كانوا من قبلهم ، كانوا هم أشدَّ منهم قوةً وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق } غافر21 . وقوله تعالى :{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } غافر 82 . في هذه الآيات : دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين ، فسنة الله هي سنة الله في الجميع . وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود ، والله تعالى قد يملى للقرية الظالمة ويمهلها ، ثم يأخذها بعذاب من عنده ، كما فعل الله ببعض القرى السابقة حينما كذبوا برسلهم ، وفي هذا ما يطمئن قلوب المؤمنين ، كما طمأن الله رسوله الكريم من قبل بقوله تعالى :{ وإن يُكذِّبوك فقد كذَّبت قبلَهم قومُ نوح وعادٌ وثمودُ ، وقومُ إبراهيم وقومُ لوط ، وأصحابُ مدين ، وكُذِّب موسى ، فأملَيتُ للكافرين ثم أخذتهم ، فكيف كان نكير ،فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمةٌ فهي خاويةٌ على عروشها وبئرٍ معطلةٍ وقصرٍ مَّشيدٍ، أفلم يسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور } الحج 41.
هذا نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله ، وكيف تكون عاقبة تضرعهم له وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة ، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ، فإذا نسوا ما ذكروا به ، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع إليه ، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة ، وكانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى منه صلاح ، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل بساحتهم الدمار قال تعالى : { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا أن جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } . ولقد عرف الواقع البشري كثيراً من هذه الأمم التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها ، قبل أن يولد ” التاريخ ” الذي صنعه الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد ، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل – على قصره – بالأكاذيب وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة ، والمحركة للتاريخ البشري ، والتي يكمن بعضها في أغوار النفس ، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها . وهذا البعض يخطئ البشر في جمعه ، ويخطئون في تفسيره ، ويخطئون أيضاً في تمييز صحيحه من زائفه – إلا قليلا – ودعوى أي إنسان أنه أحاط بالتاريخ البشري علماً وانه يملك تفسيره تفسيراً ” علمياً ” ، وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضاً ، إنها أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها إنسان ! ومن عجب أن البعض يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن البعض يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي : إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك مستساغاً .. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ؟ وما علم أن الله يقول الحق ، ويعلم ماذا كان ولماذا كان . ويقص على عبيده- رحمة منه وفضلا – جانباً من أسرار سنته ، ليأخذوا حذرهم ويتعظوا وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ، يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيراً كاملاً صحيحاً ، ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون استناداً إلى سنة الله التي لا تتبدل ، هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها ، وجاء في الآيات القرآنية تصوير وعرض لنموذج متكرر لأمم شتى ، أمم جاءتهم رسلهم فكذبوا ، فأخذهم الله بالبأساء والضراء ، في أموالهم وفي أنفسهم ، وفي أحوالهم وأوضاعهم ، ليرجعوا إلى أنفسهم ، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ، ويتذللون له وينـزلون عن عنادهم واستكبارهم ويدْعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة فيرفع الله عنهم البلاء ، ويفتح لهم أبواب الرحمة ، ولكنهم لم يفعلوا ولم يلجأوا إلى الله ، ولم يرجعوا عن عنادهم ، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم ، ولم تفتح بصيرتهم ، ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد قال تعالى : { ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } . والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله ، قلب تحجر ومات ، فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس ، ولم يرجع عما زينه الشيطان من الإعراض والعناد .. وهنا يملي الله لهم ويستدرجهم بالرخاء قال تعالى :{ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ، فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين } نفهم من الآية أن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة ! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة يبتلي الطائعين والعصاة سواء ، فالمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء فيشكر ، ويكون أمره كله خير وفي الحديث : ( عجباً للمؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) مسلم .
لقد كان لتلك الأمم من الحضارة ، وكان لها من التمكين في الأرض ، وكان لها من الرخاء والمتاع ، ما لا يقل – إن لم يزد في بعض نواحيه – عما تتمتع به البشرية اليوم ، أمم مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ، مخدوعة بما هي فيه ، خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء ، هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يخدعهم إملاء الله لهذه الأمم وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه وهي تتمرد على سلطانه ، تعيث في الأرض فساداً ، وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهناك ألوان من العذاب باقية ، فالعذاب النفسي والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي والإنحلال الخلقي ، الذي تقاسي منه البشرية اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ، وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي تباع فيها أسرار الدول وتقع فيها الخيانة للأمم ، في مقابل شهوة أو شذوذ ، وليس هذا إلا بداية الطريق .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال : ( إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا – على معاصيه – ما يحب فإنما هو استدراج ) ثم تلا : ] فلما نسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق فلا يقعدن أهل الحق كسالى ، يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد فإنهم حبنئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله ، وهم كسالى قاعدون ، والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض، وتدفع المغتصبين لها قال تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } ، فلا تغرنَّكم قوة الباطل ولا صولته ، فإنه لا يعجز الله تعالى الذي يقول :{ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغرنك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } غافر4 . إنه مصير الكافرين على مر الزمان ، إذا ما أصروا على كفرهم وعلى تكذيبهم بالرسالة ، وعلى مواجهتهم للحق ، فهي سنة ثابتة متكررة لا تتغير ولا تتبدل قال تعالى :{ ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين ، ويل يومئذ للمكذبين } المرسلات 16 ، وقال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها} محمد 10 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *