سنن الله في خلق الخير والشر

قد يقال  :  كيف  يكون الله رحمن ورحيم ، وقد خلق هذه الشرور التي نعاني ؟ وما علموا أن الله كله رحمة وكله خير، وأنه لم يأمر بالشر والفحشاء ، ولكنه سمح بذلك لحكمة ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾الأعراف 28 ، فالله لا يأمر إلا بالعدل والخير ولا يرضى إلا بالطيب ، والشر  من مقدورات الله  فنجد في بعض المخلوقات شراً  كالحيات والعقارب. والأمراض والفقر والجدب  فهذه بالنسبة للإنسان شرا  لأنها لا تلائمه، أما نسبتها إلى الله فهي خير  فمن سم الحيات يخرج الترياق    ومن الميكروب يصنع اللقاح   فأفعال الله سبحانه  كلها خير وحكمة ، وليس فيها شر بإطلاق، وإن كانت شراً على بعض الخلق ، فذلك بسبب كسبهم واختيارهم  لأن الله لم يقدرها إلا لحكمة  عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ فالله ربُّ العالمين ، ومن كمال الربوبية وشموليتها ، أن يكون الربُّ رباً لكلِّ شيء  وخالقاً لكل شيء ، خيرا وشرّا، ولكي تظهر قدرته لخلقه ، فإنه قادر على أن يخلق الشيء وضده ، وليس ذلك لأحد سواه ، فكما أن الله تعالى قادر على أن يخلق الخير، وعلى تصريفه كيف يشاء وحيث يشاء ، وقادر أيضا على أن يخلق الشر وعلى تصريفه كيف يشاء وحيث يشاء ، وبما أن الدنيا دار عملٍ واختبارٍ وبلاء   فإن من لوازمها ، أن يخلق الله تعالى الخير والشر، كما قال تعالى : ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ أما لماذا ترك الله الظالم يظلم ، والقاتل يقتل والسارق يسرق ؟ لأن الله أرادنا أحرارا ، ولا معنى للحرية دون أن يكون  الاختيار بين المعصية والطاعة ، والله قادر أن يقهرنا على الطاعة قهرا وبذلك يسلبنا حرية الاختيار.

ولكن الله تركنا نخطئ ونتألم ونتعلم، وهذه هي الحكمة في سماحة الشر، لأن الخير في الوجود هو القاعدة ، وأن الشر هو الاستثناء ، فالصحة هي القاعدة والمرض استثناء ، والأمن والسلام قاعدة والحروب  استثناء ، وبما أن المخلوق ، يحتاج لمن يجلب له الخير، ويدفع عنه الشر، فلا يستقيم شرعاً ولا عقلاً أن يجد الخير عند خالقه ، والشر عند غيره ، لأن الحق يُعرف قدره بمعرفة ضده من الباطل   فلا نعرف نعمة الصحة ، إذا لم نعرف المرض ولم نجربه  ولا نعرف نعمة الشبع ، إذ لم نعرف الجوع ولم نجربه ، وهكذا فإننا لا نعرف الشيء على حقيقته ، إلا إذا عرفنا ضده ، فمثلاً الله تعالى غفور رحيم ، ومن لوازم هذا ومقتضياته ، وجود الشر والإثم ، الذي يجعل الإنسان  يطلب الرحمة والمغفرة من ربه ، ليغفر له ويرحمه   والله تعالى المنتقم الجبار  وهذا من لوازمه ومقتضاه وجود الظالمين   الذين ينتقم الله منهم ، وقد اقتضت حكمة الله  أن العبد لا يعرف فضل الله عليه   إلا عندما يرى من ابتلي بفقد ما منَّ الله به عليه ، وقد يُطغي الخير  صاحبه  ويُنسيه أن له رباً يُعبد كما قال تعالى : ﴿ كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ ، فيأتي الشر ليُذكره ، بطلب المغفرة والرحمة من الله ، وهذا مطلب يُحبه الله ، وكم من شرٍّ يُبتلى به المرء ليندفع به شرٌ أكبر ، وهو لا يدري كخرق الخضر للسفينة  وقتله للغلام ، وكم من مرة نُبتلى بشرٍّ  ، ثم ندرك   أن هذا الشرَّ كان فيه خيرا  فينتقم الله من شرٍّ بشرٍّ آخر فيسلط الظالمين بعضهم على بعض كما جاء في الحديث : ( إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر  وبأقوامٍ لا خلاق لهم ) . فيدفع الله بهم ، ظلماً أشد وفجوراً أكبر، فيندفع بشر القتل والقتال ، شراً أكبر وفتنة أكبر ، ليعم الأمن والأمان ، والخير والسلام!

ومن النفوس من لا ينفع معها الخير ، لأنه يزيدها طغياناً وتجبراً ، وقد يهذبها الشرّ ويؤدبها ، ويُعيدها إلى رشدها وصوابها ، كما في القصاص بالنسبة للمجرمين الخارجين عن حدود الله   فالشر في كثير من صوره يكون بلاءً لأهل الخير  فيكون طهوراً وكفارة لذنوبهم وخطاياهم ، وكان من لوازم وجود الجنة والنار وجود الخير والشر، والحق والباطل ، والظالم والمظلوم  ليذهب كل فريق إلى ما أُعد له من نعيم مقيم ، أو عذاب أليم مهين ، فهذه بعض الحكم من خلق الله تعالى للشر، وما يعلمه الله تعالى ، ونحن لا نعلمه ، أكثر وأكثر﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

 لماذا خلق الله الشر ؟ مع قدرته على إبدال كل شر خيراً ؟ فالله إذا خلق  الخير فقط ولم يخلق الشر، فإن ذلك قد يشير إلى نقص في قدرته تعالى ، لأنه يعني قدرته على خلق الخير فقط أما خلق الشر فإنه يعجزه وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، لأنه على كل شيء قدير ، ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ ولذلك فلا غرابه في وجود المنافقين بين المؤمنين ، والخونة بين المخلصين ، والعاجزين بين القادرين ، ولا غرابه في الفقر بعد الغنى ، والصحة بعد المرض والعكس    والعز بعد الذل والعكس والعداوة بعد المحبة والعكس والحر بعد البرد والعكس لأن الله لا يسأل عما يفعل وجاز في حقه أن يعذب من عصاه ، وأن يثيب من أطاعه ، وإذا علمنا أن الله على كل شيء قدير، فلا يبقى أمامنا إلا أن نقول سبحان الله الذي خلق كل شيء ، وهو العالم بكل شيء  والقادر عليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *