شرُّ بقاع الأرض


قال صلى الله عليه وسلم : ﴿ أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ﴾ أخرجه مسلم ، لأن الأسواق محل الغش والغفلة ، والطمع والفتنة ، والأيمان الكاذبة ، والأغراض الفانية ، لذا حذَّر منها المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ كيف هي اليوم وقد زاد شَرُّها وعمَّ بلاؤها ، ونالت نصيبا وافراً من الفساد والإفساد ، فإذا تأملت ما يدور في الأسواق علِمتَ سبب بغض الله تعالى لها ، من كثرة ما يحدث فيها من سهوٍ ولهوٍ وغفلة ، ولغو وتدليس وتلبيس ، وكذب وزور ، وتَهتُّك وسفور وفواحش وفجور ، فالغفلة فيها مُتَحَكِّمة ، والزلة متمكِّنة ، هي ميدانٌ نَصَبَ الشيطان فيها رايته ، وهو بساطه المحبب ومجلسه المقرَّب ؛ لكثرة طائعيه فيه ، وقِلَّة مخالفيه روي عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تَكُونَنَّ إن استطعت أولَ مَن يَدخُلِ السوق ، ولا آخر مَن يخرجُ منها فإنها معركةُ الشيطان وقد نصب رايته ) . فمن هو خصم الشيطان في هذه المعركة ؟! ومن هم جنوده وأعوانه ؟ إن خصمه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، الحافظون لعورات المسلمين والمحاربون لأهل الفسق والفواحش ، ودعاة الرذيلة ، وأمَّا جنوده وأعوانه ، فتياتٌ بلا حاجة ولا هدف ، عِطرٌ فائح ، ومفاتنٌ وفضائح ، لابسات للبنطال المجسم لمفاتنهن لا يسلمن من الذئاب البشرية ، بل الكلاب الشيطانية التي تحوم في الأسواق لتنهش سترهن وعفافهن ، بمخالبها المهلكة وأنيابها المردية ، ومما يحز في النفس ذاك الذي يمشي مع زوجته أو أخته ، وقد كشفت عن بعض جسدها ، في ملبوساتٍ مخزية وقد خَبَت غيرته ، وتَدنَّت رُجُولتهُ ، وفقد قِوامته وقد صدق فيه القائل :
وذو الدناءة لو مَزَّقتَ جِلدتهُ بشفرةِ الضَّيمِ لم يَحسِس لها ألماً
وهنا سؤال : ما هو المطلوب ؟ في الأسواق ينبغي غضُّ البصر عن النظر إلى ما حرَّم الله ؛ فإنَّ النظرة الخائنة تؤثر في القلبِ وتحرقهُ كما تحرق النار الهشيم ، في كل وادٍ يهيم بسبب النظرة الآثمة ، من طرفٍ خفي ، كَسَهمٍ خاطفٍ جَلَبَ للقلب العطَبُ وللنَّفسِ التعب ، وإن حاول غَضَّ بَصَره من بعد إطلاقه ؛ عاد إليه قَلبه وقد أحرقه العِشقُ الحرام ، والهوى والغرام ، لذا على من دخل السوق أن يراقب نَظَرَه ، لأن الله يراقبه وينظرُ إليه ، ولا يَخفى عليه شيء ﴿ قل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبيرٌ بما يصنعون* وقل للمؤمنات يَغضُّضنَ من أبصارهنَّ ويحفظنَ فروجهُنّ ﴾ النور30. جاء عن جَرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نَظَرِ الفُجاءة ، فأمرني أن أصرف بصري . وعن بُريدةَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا علي لا تُتبِعِ النظرةَ النظرة ، فإن لك الأولى ، وليست لك الثانية ) .
وليعلم سُرَّاق الأعراض ، ومن يتحرش بالبنات والنساء ، ويتعرَّضَ لهنَّ بالأذى والوقيعة أنَّ انتهاك الأعراض من أعظم الغي الذي يُعجِّلُ الله عُقوُبته في الدنيا مع ما يَدَّخِرُهُ لصاحبه من العذاب والعقاب يوم الحساب .
إن الأسواقَ موطن الغفلة ومكان الزَّلة ، فلا تكاد تجدُ لله ذاكراً بين جموع الغافلين فمَن وصل قلبه بربه وتذكَّرَ مولاه ، ولم يغفل عن ذكره وشكره في مكانٍ اشتدَّت به الغفلة ثوابه عند الله عظيم ، لأن الناس مهتمُّون بِدُنياهم ، وهو مهتم بدينه ، والخلق مشغولون بأنفسهم وهو مشتغلٌ بربه ، والعباد يذكرون ما يشتهون ، وهو ذاكرٌ شاكرٌ لرب العالمين ، قال مالك بلغني أن رسول الله كان يقول ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين, وذاكر الله في الغافلين كغصن أخضر في شجر يابس” وفي رواية ” مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر, وذاكر الله في الغافلين مثل مصباح في بيت مظلم وذاكر الله في الغافلين يريه الله مقعده في الجنة وهو حي , وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل فصيح وأعجم ، والفصيح بنو آدم والأعجم البهائم.) اخرجة الطبراني في المعجم الكبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *