لقد ابتعد السلطان عن القرآن ، فأصبح لا يحكم بما أنزل الله ، مع أن القرآن هو الأصل، لأنه يشكل ضمير الأمة ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( خُذُوا الْعَطَاءَ مَا دَامَ عَطَاءً ، فَإِذَا صَارَ رِشْوَةً فِي الدِّينِ فَلَا تَأْخُذُوهُ ، وَلَسْتُمْ بِتَارِكِيهِ ؛ يَمْنَعْكُمُ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ ، أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَصْنَعُ ؟ قَالَ: ( كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ ) هذا الحديث في سنده ضعف ، وقد ضعفه الشيخ الألباني ، ولكن ضعفه ليس شديداً ، والمعاني التي تضمنها الحديث في مجملها صحيحة ، حيث تدور على التحذير من أعطيات السلطان ، إن كان يُراد به شراء الذمم ، وقول ما لا يرضي الله ، والتوصية بكتاب الله والتمسك به ، وأنه سيكون أمراء ينحرفون عن منهج الله ، فالحذر الحذر من متابعتهم والسير في ركبهم ، وكل هذا ثابت بنصوص أخرى صحيحة ، ففي صحيح مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ: ( لَا، مَا صَلَّوْا ) قال النووي :” ( وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) مَعْنَاهُ : ولَكِنَّ الْإِثْمَ وَالْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ لَا يأثم بمجرد السكوت ، بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ ” في بداية الحديث أمر نبوي ينهى عن الرشوة، هذا الذي صار أمرا عاديا في إداراتنا ومؤسساتنا، كيف لا والنظام فاسد من أصله الحكام يتعاملون بها وحاشيتهم ، وهي ماضية إلى أصغر موظف في دولتهم إلى من رحم ربي، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليبين لنا أنه لا يمكن الابتعاد عنها وتركها ، لسبب الفقر والحاجة، فلن يمتنع عنها إلا من كان قلبه ممتلئ بتقوى الله ومتعفف ، للحفاظ على عرضه ودينه، فإن تحقق هذا تم الامتناع عنها ، بعد هذا يصور لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم مشهدا لمستقبل الإسلام، إذ قال عليه السلام ( ألا إن رحى الإسلام دائرة ) فمن حكمته صلى الله عليه وسلم أن شبه الإسلام بالرحى، لماذا ؟ فهذه الأخيرة ، لها نقطة انطلاق ، تتحرك منها وتعود إليها، ولتكتمل الصورة يجب أن ننظر فيما جاء بعد هذا التصوير النبوي الحكيم حيث يليه في قوله صلى الله عليه وسلم ( فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ) من هنا نفهم على أن السلطان والقرآن كانا متلازمان غير مفترقان، فقد كانت القاعدة التي تدور عليها رحى الإسلام هي القرآن ، والحلقة التي تدور عليه هي السلطان، لكن وقع الانحراف ، عندما دار السلطان على أساس غير القرآن ، وانفصل الدين عن السياسة، وأصبحت الشعارات والألفاظ الغربية التي لا تمت لهويتنا بصلة ، تنخر في الأمة الإسلامية ، ثم يوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم صفة هؤلاء الأمراء الذين انحرفوا عن طريق القرآن، فيقول: ( ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم ) هنا نجد أنفسنا أمام صورة واضحة لا لبس فيها، صدق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله، وها نحن نرى أن حكام أمتنا يقضون لأنفسهم وعائلاتهم ، في حين أن المسلمين لا يجدون ما يلبسون ولا ما يأكلون ، فأين تذهب خيرات البلاد ؟ الجواب تذهب إلى المسؤولين فيها من أكبرهم إلى أصغرهم، إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا الدواء والأمر الذي سيبعدنا عن الحكام الجبريين، حيث ينهانا صلى الله عليه وسلم من إتباعهم ، ويخبرنا إن اتبعناهم سنضلل عن طريق القرآن ، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية عدم اتباعهم قال: ( كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله ) وهنا يذكرنا صلى الله عليه وسلم بأصحاب سيدنا عيسى عليه السلام لنعتبر ، لما عذبوا ، صبروا وفوضوا أمرهم لله، ونحن الآن في هذه المرحلة نحتاج إلى جهاد لنبتعد عن ظلم الطغاة ، والرفق بخلق الله ، وأن نتقيد بما قيدنا به شرع الله من خير ورحمة وصبر على الابتلاء، وإن استبعاد شرع الله ليس معناه إلا تسجيل الهزيمة على هذه الأمة ، وإذا لم يستبعد غيرنا دينه ، فلم نستبعد ديننا ؟ وعلينا أن نؤدي ما علينا ، وكما أمر الله المجاهدين دائماً أن يتوقعوا أحد أمرين ، والحسنى في الأمرين معاً ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ، قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم إن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ﴾ التوبة 51 . وإني على يقين أن تنضج الزروع وتتحقق النتائج ﴿ وانتظروا إنا منتظرون ﴾ هود 122 .
