صفات المجتمع القوي

من أهم صفات المجتمع القوي التعاون والائتلاف ونبذ الخلاف ، الذي يؤدي إلى الفشل، وما سقط مجتمع على مر التاريخ إلا بسبب الفرقة والتنازع وهذه حقيقة قرآنية بيَّنها الله بقوله : ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ الأنفال46. وجاء النهي عن التفرق والاختلاف في قوله تعالى:﴿ وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ ، وعن التنازع والتباغض في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا- عباد الله– إخوانًا ) متفق عليه . فكيف نجنب المجتمع التنازع والشقاق حتى لا يكون فريسة للأعداء ؟ إنه يتطلب منا معرفة الداء الذي بسببه تسلط الأعداء على مجتمعنا المسلم وذلك يتمثل في عدم الأخذ بأسباب القوة المعنوية التي تتمثل في الإيمان والعمل الصالح، والمادية التي تتمثل بإعداد القوة في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والتقنية والاجتماعية ، ويتمثل في الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، والاستقامة على المنهج القويم الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. إننا في زمن بات الواحد منا لا يدري ماذا يقول حيث المجازر الدموية في بلاد المسلمين ، والعالم كله يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه ، وما أصاب الأمة وما يصيبها ، ما هو إلا نتيجة تخليها عن عزتها وكرامتها ، وطلب المساعدة من أناس لا عهد لهم ولا ميثاق ولا خلاق ، قال الله فيهم :: ﴿ كـُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ . وتتوالى الأحداث، التي ينُسي آخرها أولها، ويغطي حديثها على قديمها :
ماذا أقول وقلبي بات يعتصر بما يدور وما يجري ينفطر
ماذا أقول وأعماقي ممزقة والصمت ران كأن الحال يحتضر
ماذا أقول وسمعي ما به صم والعين تدمى وماء العين ينحدر
لقد أصبحت أمة الإسلام اليوم “غثاء” دويلات متناثرة متفرقة،تفصل بينها حدود جغرافية ، وتعلوها رايات” الوطنية والقومية ” وتحكمها القـوانين العلمانية ، وتدور بها “الـدوامـات” الـسـيـاسية فمـا من يوم تطلع فيه الشمس إلا ويزداد اليقين بأن هذه الأمة أُصيبت في مقتل وجوبهت مــن ضعف ن وتخاذلت عن صيحات التحذير ، وآيات النذير ، فالقرآن الكريم منـهجها الذي يجب أن تـتحاكم إليه ، بين دواعي هلاك الأمم، والفتن وأسبابها ، وجاءت السنة النبوية محذرة من الوهن وأسبابه ، والضمور ومقدماته ، فلم تلتفت لذلك كله ، فقـذف الله فـي قـلــوب المسلمين “الوهن” فتداعت عليهم الأمم ، وأحاط بهم الأعداء وصاروا قصعة مستباحة ينهشونها من كل جانب .
علماً بأن هذه الأمة لا تعاني من نقص فـي عدد ولا عدة ، ولا ثروة ولا مقومات ، لكنها في الوزن الدولي لا شيء ، أما حقوقها وكرامتها فمهانة ذليلة لأنها تخلت عن أسباب النصر والتمـكــين تخلت عن عزتها وأخلدت إلى الحياة الدنيا وزهرتها وركنت إلى ما حباها الله إياها من خزائن الأرض وخيراتها ، ولم تحسن الاستفادة من سواعد رجالها وهمم أبطالها ، وتضحيات مجاهديها ، لتسترد حقوقها ، ولم تنتفع بما تدخره من عدد وأسلحة في مواجهة أعدائها ، ولم توظف أدمغة وعقول أبنائها في بناء مجدها ورفعتها ، ففي كل قطر من أقطارها لا يُسمع إلا الأنين ، والصراخ والعويل حتى أصبح الدم المسلم رخيصاً ، لا يقام لإراقته وزن وأصبح الواحد منا لا يكاد يغمض عينيه على مذبحة للمسلمين في بلد ما ، حتى يفتحها على أخرى في بلد غيره . إن العالم الذي يرفع الشعارات البراقة مثل حقوق الإنسان، والشرعية الدولية، والنظام العالمي الجديد والديمقراطية، قد انكشف زيف شعاراته وكذبها بسبب صمته ومواقفه السلبية ، عما يرتكب من مجازر إلا من شجب أو استنكار أوتصريحات رنانة ، ومواقف صورية وخطوات جبانة ، تصدر على استحياء ممن ولاّهم الله أمر المسلمين ، إلا من رحم الله منهم ، وقليل ما هم الذين قادوا شعوبهم إلى التهلكة ، وأغرقوها في التوافه ، ومنعوها أسباب المنعة والقوة ، وجعلوا مقدرات الأمة أدوات هدم لا أدوات بناء ، وقناطر انكسار متتال ، وتفرق وتشرذم الغني فيهم لا يعرف قيمة سوى للدرهم والدينار والفقير يلهث خلف بريقهما ، وما دروا أن هذه من علامات التهلكة ، ذكر أبو أيوب الأنصاري أنه حينما حمل رجل من المسلمين على الروم “قال الناس : مه مه ، لا إله إلا الله ، يلقي بأيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : إنما تؤولون هذه الآية هكذا : أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة ، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، لما نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأنزل الله تعالى : ﴿ وأَنفِقوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فليست التهلكة بالجهاد والإنفاق في سبيل الله ، إنما التهلكة أن تنساق الأمة نحو بيع العينة وتأخذ بأذناب البقر وترضى بالزرع وتأكل وتترك الجهاد في سبيل الله ، التهلكة أن يئن عضو من أعضائها فلا يتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، التهلكة أن تتخلى الأمة عن كل أسباب القوة فلا يشد بعضها بعضاً ، ولا يؤازر بعضها بعضاً ، التهلكة أن تعرض الأمة عن ربها وخالقها ، وتلجأ إلى مجلس الأمن وتتوسل بأمريكا ، وتـأوي إلى ركن المنظمات الدولية ، طالبة النصرة ، والعون والمساعدة ، وسنة الله التي لا تتغير ولا تـتبدل أن من تعلق بشيء غير الله وكله الله إليه .
إن هذا الواقع الذي تمر به الأمة ، ليس شراً محضاً لا خير فيه ، بل فيه من الحكم والفوائد الشيء الكثير كتمحيص الصفوف ومعرفة الصابرين المجاهدين ، من الدخلاء الذين هم غثاء كغثاء السيل. قال العـز بن عـبـد السلام رحمه الله : للمصائب والمحن فوائد تختلف باختلاف رتب الناس : أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها.
الثاني : معرفة ذل العبودية وانكسارهـــا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ الَذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾، اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده ، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره ، لا مفر لهم منه ، ولا محيد لهم عنه. والثالثة : الإخلاص لله تعالى ، إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه ﴿ وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ ﴾ .
والرابعة : التضرع والدعاء ﴿ وإذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا ﴾ ، والخامسة : تمحيصها للذنوب والخطـايــا : فقد جاء في الأحاديث النبوية أن ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ، والسادسة : ما في طيها من الفوائد الخفية ﴿ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ والسابعة : إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر، ولهذه الفوائد الجليلة كان أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمـثـل كالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وتغربوا عن أوطانهم ، وتكاثر أعداؤهم ، ولم يشبع سيد الأولين من خبز مرتين ، وأوذي بأنواع الأذية ، وابتلي في آخر الأمر بمسيلمة وطليحة والعنسي ، والثامنة : الرضا الموجب لرضوان الله تعالى ، فإن الـمـصـائب تنزل بالبر والفاجر ، فمن سخطها فله السخط ، ومن رضيها فله الرضا أهـ.
إن ما يحدث اليوم في بلاد المسلمين ، على مرأى العالم الغربي ، الذي يدعي التسامح ، ويزعم الديمقراطية ، ويدّعي التمسك بحقوق الإنسان ، في قرن يفترض أن يكون قرن التحضر والمدنية وقرن المواثيق الدولية ، والقرارات الأممية ، فجاء الواقع يكذب ذلك ، دماء تراق وأرواح تحصد يتحدثون عن السلام بألسنتهم ، ويباشرون الحرب في خططهم واستعداداتهم ، فأين العدل؟ وأين الإنصاف؟ وأين حقوق الإنسان ، من شعوب تعيش التشريد والشتات ، هرباً من القتل والقهر والظلم الذي لا يمكن أن يقيم سلامًا ، أو يولد استقرارا لأن العدوان لا يولد إلا عدوانا ، والظلم لا يولد انفجارا . وإن العمل من أجل إنقاذ المستضعفين فريضة شرعية ، وواجب ديني ، يستنهض عزم أبناء الأمة ، لبذل كل الجهود والوسائل لإحقاق الحق ونصرته ، ولا سبيل لإعادة هذا الحق ، قبل العودة الصحيحة للإسلام ، ومن سنن الله أن العاقبة للمتقين وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون ، ومن سننه أيضًا إذا تخلى أهل الإيمان عن إيمانهم فإنه يستبدل قومًا غيرهم قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *