صلاحية الإسلام لكل الأزمان

يتحدّث الكثير من أبناء المسلمين عن خطورة التحديات المعاصرة ، وصعوبة التغلب عليها فقالوا بعدم صلاحية شريعة الإسلام ومنهجه ، في هذا العصر الذي تواجه تحدياته العلمية والحضارية العالم الإسلامي ، وتجاهلوا أن مواكبة العصر لا تكون بمخالفة أحكام الله وشرعه ، وتقليد كل كافر وفاجر، وأن المطلوب إخضاع الواقع لشريعة الإسلام ، لا مسايرته وموافقته وإن اتهام الإسلام وأهله ، بالجمود والتطرف ، دعوى يرددها أعداء الإسلام فهل يرضى المسلم أن يكون في صفهم؟ ولماذا لا يتدبَّر قول الله تعالى :﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ المائدة 51 ، ولماذا لا يحكِّم عقله في الأمور، ويسأل أهل العلم فيما يستجد، فإن قالوا فيها حكم الله ، فلا يجوز أن يتهم الإسلام ، وما يتهم الإسلام إلا جامد ومتطرف، ومن هذا حاله فقد خلع ربقَة الإسلام وخرج من الملة.
إن الدين الإسلامي ، صالح لكل زمان ومكان؛ وقد سبق في علم الله ، أن رسالة الإسلام هي الخاتمة، والله سبحانه يعلم متغيرات الحياة ، وتبدّل المجتمعات إلى قيام الساعة، وهذا يعني ، أن هذا الدين صالح لكل زمن ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والتشريع الإسلامي ، شامل متكامل؛ قال تعالى:﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾المائدة 3. فلا ينبغي للمسلم ، أن يتنازل عن المحافظة على (أسلمة) الفكر ولا مانع من عصرنة الأسلوب ، لا عصرنة الإسلام. لأن أساسيات الدعوة لا تتغير إنما يتغير الأسلوب ، ليتلاءم مع طبيعة المجتمعات، مع مراعاة اختلاف البيئات لأن شريعة الإسلام في أصلها ، تناسب كل العصور، وإذا كنا لا نستطيع تطبيق شريعة الإسلام ،كما طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا لا يعنى أن الإسلام غير قابل للتطبيق ، في كل زمان ومكان فتطبيق الشريعة الإسلامية ، كان موجوداً ومطبقاً في الزمن السابق ، وإن عدم التمكن من تطبيقها هذه الأيام ، لا يعنى فشل الإسلام ، ولا يعنى أن الإسلام غير قابل للتطبيق ، مما يدل على أن العيب في المسلمين ، وليس في شريعة الإسلام لأن الأصل في أوامر الله وأحكامه ، هو الثبات والبقاء، ولا يملك بشر سلطةً ، فوق سلطة الله، حتى يلغي أحكامه .
وقد خاطب الله في القرآن ، البشرية جميعاً إلى يوم القيامة ، بلا تقييد بزمان دون زمان أو مكان دون مكان، وجاء كتابا مفتوحا يخاطب جميع العقول ، لا في عصر النزول بل ممتداً لجميع العصور، ولم يأت القرآن بشيء يخالف العقل السليم، ولم يأت بشيء يؤخر الإنسان، وإنما أتى بما يرقى بعقل الإنسان ، في كل مجال من مجالات الحياة ، في حدود ما أحله الله ، ومن يطبق القرآن ويعمل به ، ينل خير الدنيا والآخرة وقد صرح بذلك البروفسير –إيرفنج- الأستاذ بجامعة –تنسي الأمريكية- حينما وقف مخاطباً للمسلمين فقال: تعلَّموا الإسلام وطبقوه ، واحملوه لغيركم من البشر تنفتح أمامكم الدنيا، ويدين لكم كلُّ ذي سلطان، أعطوني أربعين شاباً ، ممن يفهمون هذا الدين ، فهماً عميقاً ، ويطبقونه على حياتهم ، تطبيقاً دقيقاً، ويحسنون عرضه على الناس ، بلغة العصر وأسلوبه، وأنا أفتح بهم الأمريكيتين ” نقلاً عن قضية التخلف العلمي والتقني في العالم الإسلامي للدكتور زغلول النجار. أما من قال إن القرآن لا يستطيع مواكبة التطورات في كل عصر، لأنه نزل على مجتمع بدائي، فيرد عليه سيد قطب قائلاً: ” إن شريعة ذلك الزمان ، الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان، لأنها بشهادة الله ، شريعة الدين الذي جاء للإنسان، في كل زمان وفي كل مكان ، لا لجماعة من بني الإنسان ، والله الذي خلق الإنسان ، وعلم من خلق هو الذي رضي له هذا الدين ، المحتوي على هذه الشريعة، فلا يقول : إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم ، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله ، بحاجات الإنسان وبأطوار الإنسان “. في ظلال القرآن .
إن القرآن كتاب الله ، الذي أنزله لهداية البشر، وتذكيرهم وإنذارهم ، وتبشيرهم وإخراجهم ، من ظلمات الضلال والمعاصي إلى نور الهدى والطاعات ، قال الله تعالى:﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾البقرة 2 وقد تضمن القرآن الكريم التشريع الرباني ، الذي شرعه الله لبني البشر وتعبدهم بالعمل به ، والتحاكم إليه ، قال تعالى:﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾الأعراف3 . وقد تضمن كل ما يحتاجه البشر، في دينهم ودنياهم، وما يحقق مصالحهم، قال تعالى:﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾الأنعام 38. وإذا كان الغرب يملك اليوم زمام العلم والتكنولوجيا ، والتقدم المادي ، ويقيم حضارته على أساسها ، بعيداً عن المبادئ والقيم والأخلاق، فإننا بالإسلام ، نملك ما هو أثمن من ذلك، نملك غذاء الروح والفكر، الذي تفتقده الحضارة الغربية ونملك به ، أسس وقواعد ديمومة الدول وسر بقائها، ولكن المشكلة هي: كيف نعرض شريعتنا، وكيف ندعو لقيمنا، وكيف نحاور بالتي هي أحسن ، هناك اختلاف بين سلوكنا ، وبين مبادئنا ، وهذا ما يعيق دعوتنا ، ويؤخر مسيرة أمتنا ، لأننا في أمس الحاجة لتطبيق مبادئ الإسلام ، على أنفسنا قبل أن نقدِّمها للغير، حتى ننجح في حوارنا مع الغرب والشرق، ومن واجبنا اليوم في علاقتنا مع الغرب ، أن نكون مؤثرين لا متأثرين، وفاعلين وصانعين للأحداث لا مستقبلين، حتى نعيد لأمتنا ، وجهها الحضاري والإنساني ، ودورها الايجابي المشرق، هذا لأن صلاحية دين الإسلام لكل زمان ومكان ، أمر مسلَّم به عند العقلاء ، فضلاً عن شهود الأدلة الشرعية عليه ، فهو خاتمة الأديان ، وهو الذي ارتضاه الله لنا ، قال تعالى : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾المائدة 3 ، فكيف يحتاج الناس إلى غيره مع تمامه ؟ أم كيف يرجون الهدى في سواه ، ولا دين بعده ؟ وإن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد للعباد وليس كتابا لذكر عجائب الدنيا ، لأنه منهج لتقويم حياة الناس ، على أساس الرابطة بينهم ، وبين ربهم، قال سيد قطب في الظلال:” وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن ، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه ، وأن يحملوا عليه ، ما لم يقصد إليه ، وأن يستخرجوا من جزئيات ، في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها ، ليعظموه بهذا ويكبروه! والقرآن كتاب كامل في موضوعه، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها ، وإن كل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة ، بما يصل إليه العلم ، من نظريات متجددة متغيرة أو حتى بحقائق علمية ، ليست مطلقة ، تحتوي أولاً على خطأ منهجي أساسي ، كما أنها تنطوي على معان ثلاثة ، كلها لا يليق بجلال القرآن الأولى: الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهمين والقرآن تابع ” . إن كتاب الله شامل كامل ويصلح في كل زمان ومكان ولا يعني ذلك أنه قد حوى جميع جزئيات الكون ، بل إنه تضمن أصول كل الأشياء وكلياتها وترك أمر هذه الجزئيات للعقول، قال الإمام الغزالي:” فتفكر في القرآن ، والتمس غرائبه لتصادف فيه مجامع علم الأولين والآخرين وإنما التفكر فيه للتوصل من جملته إلى تفصيله وهو البحر الذي لا شاطئ له “. وأخيراً : إن من جواهر القرآن ، أن الإسلام مؤهل بكل المقاييس لمواجهة تحديات العصر الحديث، ومؤهل للتعاون باستمرار ، مع كل القوى المحبة للسلام ، والتقدم في العالم ، من أجل خير الإنسان وسعادته ، في كل زمان ومكان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *