صلة الرحم خُلُق دعا الإسلام إليه وأمر به ورغّب فيه وحذَّر من قطيعتة ، وبيَّن العقوبة المترتبة على قاطعه في الدنيا والآخرة ، وأمر الله بصلة الرحم ، ورغب في ذلك فقال تعالى : ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ ﴾ النساء 1. أي: اتقوا الأرحامَ بصلتكم لها وقال تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ ﴾ الرعد 21 . والرحم هم أقاربَك من جهة أبيك وأمك، إخوانَك وأخواتِك، أعمامَك وعماتِك، أبناءَ أخيك وأبناءَ أخواتك، أبناءَ عمك، وأقاربَك من حيث الأب، أخوالَك وخالاتِك، أقرباءَ أمك، كلُّ أولئك رحم، أنت مدعوٌّ لصلتهم ، وصلتهم تكون بالإحسان إلى فقيرهم ومحتاجهم والوقوف معه في شدائد الأمور، وسؤالك عنهم واهتمامك بشأنهم، والشفقة والرحمة بهم ، بل إن هذه الصلة حق لكل من يمت إليك بصلة نسب أو قرابة وكلما كان أقرب كان حقه ألزم وأوجب ، وهم أولى بالرعاية لأن صلتهم من واجبات الإيمان قال صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) بل إن أكمل الناس إيماناً من كان واصلاً لرحمه لما لها من مكانة قال صلى الله عليه وسلم : (خلق الله الخلق، فلما فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟! قالت: بلى، قال: فذلك لك) أخرجه البخاري ومسلم في البر ، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وصل رحمه وصله الله ومن قطع رحمه قطعه الله) .
قد تكون هناك أسباب لقطيعة الرحم ، يتجاوزها المؤمن تقرباً إلى الله عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) ليس الواصل الذي يقول: رحمي زارني سأزوره، رحمي دعاني سأدعوه، رحمي أهدى إلي سأهدي إليه وإلا لا أما الواصل فإنه يصل من قطعه ليدلَّ على أن تلك الصلة نابعة من إيمان صحيح ، فلا يرضى بقطيعة الرحم ، بل يصل من قطعه منهم ، ويحسن إلى من أساء إليه منهم جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني وأحسنُ إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، فقال له النبي : ( إن كنت كما قلتَ فكأنَّما تسفّهم الملّ – وهو الرماد المحترق – ولا يزال معك من الله عليهم ظهير ما دمت على ذلك ) . ويمكن أن تكون صلةَ الرحم بصرف الصدقات والزكوات إلى المحتاج منهم ، فهم أولى بذلك من غيرهم ، جاء في الحديث ( وصدقتك على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة) وقد دلت النصوص على أن أفضل النفقة النفقة على الأقارب قال تعالى : ﴿ يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ البقرة 215 . وقد جعل الله لذي القربى حق في الأعناق يوفى بالإنفاق : ﴿ وآت ذا القربى حقه ﴾ الإسراء 26 . ليس تفضلا إنما هو الحق الذي فرضه الله فقريبك منك إن أحسنت إليه فإنما تحسن إلى شخصك وإن بخلت عليه فإنما تبخل عن نفسك ، وإذا لم يجد الإنسان ما يؤدي به حق الأقربين ، فإن هناك مجالات واسعة لصلتهم والإحسان إليهم كالبشاشة عند اللقاء وطيب القول وتفقدهم زياراتهم ، والمعنى الجامع لذلك كله إيصال ما أمكن من الخير ، ودفع ما أمكن من الشر ، بدون تعصب وهوى ورد للحق والهدى ، وبذلك تقوى المودة ، وتزيد المحبة ، وتتوثق عرى القرابة ، وتزول العداوة والشحناء . وإن أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم ، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم ، ولذلك حذرنا الله من قطيعة الرحم ، وبيَّن الوعيدَ الشديد المترتِّبَ على ذلك في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في ٱلأرْضِ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ﴾ الرعد 15 . ويقول تعالى : ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ ﴾ محمد 22 . وقد اعتبر الإسلام أساس التواصل هو التواد والتراحم فإذا فقد ذلك تقطعت الأوصال قال تعالى : ﴿ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴾ الرعد 25 . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه .
فاتقوا الله عباد الله وصلوا أرحامكم وقدموا لهم الخير ولو جفوا، وصلوهم وإن قطعوا، يدم الله عليكم بركاته ويبسط لكم في أرزاقكم ويبارك لكم في أعمالكم قال عز وجل وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم الأنفال 75 .
فرحمك إن دنوت منه داناك وإن بعدت عنه راعاك، وإن استعنت به أعانك ، مودة فعله أكثر من مودة قوله ، ولا فكاك لك عنه فعزه عز لك وذله ذل لك ، فمعاداتهم شر وبلاء ، الرابح فيه خاسر، والمنتصر مهزوم
وإن قطيعة الرحم من ضعف اليقين ورقة الدين ، عقوبتها معجلة في الدنيا قبل الآخرة قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم )
فاتقوا الله عباد الله وصلوا أرحامكم فحق القريب رحم موصولة، وحسنات مبذولة، وهفوات محمولة، وأعذار مقبولة قال صلى الله عليه وسلم : ( يأيها الناس أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصِلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) .
