نعيش في زمن ندّعي الإسلام ولا نطبقه ولا نلتزمه في حياتنا ، ولا نحيا الحياة الإسلامية التي أرادها الله لنا ، بل إننا نعيش على هامش الإسلام ، والواجب يدعونا إلى العمل بالإسلام ، والعودة إلى حياة إسلامية توجها عقيدة الإسلام ، وتحركها دوافع الإسلام وتربط بين الناس أخوة الإسلام ، فلا إيمان بغير هذا لأن مقتضى الإيمان أن يُحَكَّم الإسلام ونعود إليه ونطبقه كله ، لأنه لا يمكن أن يوجد إيمانٌ بدون الاحتكام إلى شرع الله ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) وقد نفى القرآن هذا بصراحة فقال تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ الأحزاب 36. ولا خيار للمؤمن بغير ذلك فهذا هو شأنه لقوله تعالى :﴿ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينتهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ النور 51 . وليعلم كل مؤمن بأن الصدود عما أنزل الله ، وحكم به رسوله صلى الله عليه وسلم هو نفاق ، سواء كان هذا الصدود من حاكم أو محكوم ، لأن مقتضى الإيمان أن نرجع إلى حكم الله ورسوله وإلا انتفى الإيمان ، وقد اقسم الله على ذلك قسماً مؤكداً قال تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ النساء 65 . ومهما قيل أن الأمة الإسلامية قديماً انحرفت ، إلا أن الإسلام ظل أساس حياتها ولم يكن هناك رفض لها ، فمهما اشتد الطغيان والجبروت ، فالسمع والطاعة عند المواجهة بحكم الله ورسوله ، فهذا الحجاج الذي كان يأخذ بالظنة ، ويقتل بالشبهة سجن يوماً رجلاً ولم يكن هو الجاني ، وإنما جنى بعض أقربائه ، فلما سأله الحجاج ما الذي جاء بك ؟ قال جنى جان من أقاربي فأخذت به وسجنت بديلاً عنه ، فقال الحجاج إن الشاعر يقول :
جانيك من يجني عليك وقد تُعدِى الصحاح مبارك الجُرب
ولربَّ مأخوذ بذنب عشيرة ونجا المقارف صاحب الذنب
أي الإنسان يؤخذ بذنب غيره ، هكذا يقول الشاعر ، فقال الرجل إذا كان الشاعر قد قال هذا ، فإن الله قال على لسان يوسف عليه السلام : ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون ﴾ يوسف 79 . وهذا ما أكده القرآن حين قال : ﴿ ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى ﴾ الأنعام 164 . ولما سمع الحجاج هذه الآية من الرجل قال : خلو سبيله صدق الله وكذب الشاعر . هذا هو منطق الإيمان ، وإذا احتكمنا إليه يجب أن نعود إلى القرآن والسنة حكاماً ومحكومين ، وإلا رمينا بالنفاق والكفر والظلم والفسق ، والذي يرمينا هو القرآن كما قال تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ . وبعدها ذكر الظالمين والفاسقين ، فأين القرآن من الآيات الثلاث ، هناك من يقول باطلاً وظلماً أن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب ولم تنـزل في المسلمين ، نقول لهم هذا صحيح ، ولكن لفظها عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإذا كان الله قد حكم على أهل الكتاب بالكفر أو بالظلم أو بالفسق ، فلأنهم لم يحكِّموا التوراة أو الإنجيل ، وهل يكون من ترك القرآن ولم يحكم بما أنزل الله أقل إثماً من هؤلاء ؟ وهل القرآن أدنى من هذه الكتب حتى يكون تركه والخروج عليه والإعراض عنه أقل في الإثم من ترك الحكم بالتوراة أو الإنجيل ؟ بالطبع لا ، وهل يكيل الله بكيلين أو يزن بميزانين اليهود أو النصارى إذا تركوا كتابهم كانوا كفره وظلاماً و فساقا ، والمسلمون إذا تركوا كتابهم واتخذوه وراءهم ظهريا يكونون معافين من الإثم والكفر والفسق والظلم ؟ لا وألف لا ، فعدل الله واحد وميزانه واحد ، فمن حكم بغير ما انزل الله فليس له إلا أن يرمى بالكفر أو بالظلم أو بالفسق حسب موقفه مما أنزل الله .
إن منطق الإيمان يحتم علينا الرجوع إلى الإسلام كل الإسلام ، وليس في زاوية من الزوايا أو ركن من الأركان ، كما هو في عصرنا هذا ، ومما يدعو للأسف أن يحصر الإسلام في البلاد الإسلامية في ركن الحديث الديني في الإذاعة ، وكثيراً ما يكون في وقت ميت والناس نيام ، وكذلك في التلفاز وفي بعض الصحف في بعض صفحة يوم الجمعة أو حصة الدين في المدرسة وفي القانون موضوع الأحوال الشخصية أما المعاملات الاقتصادية والتجارية والمدنية والدستورية والإدارية والجنائية ، كل هذه نجد الإسلام بعيداً عنها ومعزولاً ، إنها زاوية صغيرة يأخذها الإسلام ، يتصدقون بها عليه وهو صاحب الملك وحتى هذه الزاوية تستكثر عليه في بعض البلاد ، وفي المسجد لم يترك المنبر للإسلام يريدونه منبراً موجهاً لا تقال فيه كلمة الحق التي طلبها الإسلام ، بل الكلمة التي تريدها السلطة ، ومن خرج على ذلك يمنع وقد يسجن ويعتقل .
إننا نعيش في عصر لم يُترك الإسلام حراً ليوجّه الحياة يريدون له أن يأخذ جانباً واحداً من الحياة ، يريدونها مسيحية أخرى تقبل أن تحكم بعض الحياة دون البعض ، علماً بأن الإسلام دين ودولة ، وعقيدة وشريعة وعبادة وقيادة وصلاة وجهاد ، لا يقبل التجزئة بين ما أسموه دينا وما أسموه دولة ، فلا يقبل الإسلام أن يترك جانباً دون أن يوجه ويحكم ، وإلا كان إيماناً ببعض الكتاب وكفراناً ببعض ، وقد وبخ القرآن الذين مزقوا الدين فقال تعالى : ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ﴾ البقرة 85 . إنه منطق يحتم علينا أن نلتزم بالإسلام كله عقيدة وشريعة ، وعبادة وأخلاقا ومعاملات ونظاماً ويوجب علينا أن نعود إلى الإسلام باعتباره منهج حياة في كل شئون الحياة . إن تاريخ أمة الإسلام يفرض علينا أن نعود إلى الإسلام ، لأنها لم تكن شيئاً ولم تكن لها العزة إلا بالإسلام ، هذا هو منطق التاريخ ، لأن كل انتصار للأمة كان وراءه رجعة إلى الإسلام ، وكل مرحلة من المراحل التاريخية كان فيها عزٌ وازدهار وقوة وانتصار ، تدل على أن هناك إسلاماً تحرّك وحرّك ، هذا هو الثابت في التاريخ ، لنرجع إلى عصر عمر بن عبد العزيز الذي سار على نهج عمر بن الخطاب ، ورغم أنه حكم ثلاثين شهراً إلا أنه أقام الرخاء واعتبر خامس الخلفاء الراشدين ، فكيف لو طالت مدته ؟ ولننظر إلى عصر صلاح الدين ومن قبله نور الدين ، لقد حكما بشرع الله ونفذا الإسلام ونفخا في الناس روح الإيمان . فلم ينتصر صلاح الدين بمجرد الكلام ، وانتظار الأعداء ليمدوه بالسلاح بل حاول أن يصنع من السلاح ما قدر عليه ، وأن يجد الإيمان في القلوب ، فقد كان بين الصفوف في المعركة ، يطلب أن يُقرأ عليه من صحيح البخاري وكان يمرّ بالليل على جنود جيشه في الخيام ، فإذا وجد في خيمة من الخيام رجلاً يصلي أو يقرأ القرآن أو يذكر الله أو يسبح أو يهلل أو يكبر فرح وقال : الحمد لله بهذا ننتصر ، وإذا وجد خيمة من الخيام أهلها كلهم نيام يقول : أخشى أن تجيئنا الهزيمة من مثل هذه الخيمة . بهذا انتصر صلاح الدين على الصليبيين . فإذا ما أردنا العزة والسيادة والنصر ، فلنرجع إلى الإسلام ، الذي جربناه في تاريخنا فوجدنا فيه الشفاء لكل داء والحل لكل عقده والعلاج لكل معضلة ، إن حكم الله هو قانون السماء لهداية الأرض قال تعالى : ﴿ ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون ﴾. إن الواقع يفرض علينا العودة إلى الإسلام ، لأننا جربنا الأفكار والأنظمة المستوردة ، التي لم تسعد من شقاء ولم توحد من فرقة ، وظللنا نحن كما نحن ، لم تحل مشاكلنا بل ازدادت ، حيث نشكو فساداً أخلاقياً وانهيارا اقتصادياً وتحللاً أسرياً وضعفاً دينياً واضطراباً سياسياً ، نشكو التجزئة والتفرقة ، وقد كثر التذمر في أوساط الأمة التي تنتظر الفرج ، وتطلب العلاج والعلاج موجود في متناول اليد ، الذي لم يفكروا في اللجوء إليه ، نبحث عن هذا وذاك ونتسكع هنا وهناك نأكل من موائد غيرنا ، لذا ما زلنا متخلفين في المعركة فلا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا ، لأن سلاحنا وقوتنا من عند غيرنا .
إننا بحاجة ماسة إلى الإسلام ، لنستقر ونشعر بالطمأنينة ، فهو وحده الذي يوجد التوازن والاعتدال في حياتنا ، وينقذنا مما نعانيه من مشكلات وويلات في جوانب الحياة ،فإذا كانت وجهتنا إسلامية ومفاهيمنا إسلامية ومشاعرنا إسلامية وقيمنا إسلامية فإننا بعون الله سنجد الإنسان الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح ، ولا يصلح الإنسان إلا العقيدة والتزام المنهج الذي رسمه الله لعباده بذلك يصلح الفرد وتصلح الأمة . لنفهم هذا جيداً ولنؤمن به ويوم يحكم هذا الإسلام حياتنا ، فإننا سنسعد في الدنيا والآخرة ، ونسأل الله أن يردنا إلى الإسلام رداً جميلا قال تعالى : ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا بأنفسهم ﴾ .
