إن التخاذل يكرس سياسات العجز والخنوع، والتجزئة والتشرذم، والتبعية والتآمر حتى غدت المواقف المتخاذلة مهزلة من أكبر المهازل، بحيث حوّلت صورة الشعوب المسلمة ، إلى أضحوكة بين الأمم. تدين استهداف المدنيين بشكل عام ودون تمييز، أي دون تخصيص اليهود بالإدانة، وساووا بذلك بين دماء الفلسطينيين المدنيين ، التي تسفك غدراً و ظلماً وعدواناً، وبين دماء بعض جنود اليهود المعتدين ، إن إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أدى إلى تخاذل أهل الحق ، وتطاول أهل الباطل، والبغي والعدوان ، وقد غلب طابع التخاذل والانحطاط ، حتى ظن البعض أن للكرامة ضريبة لا تطاق ، فاختار الذل والمهانة هرباً من هذه التكاليف ، فعاش عيشة تافهة يخاف من ظلها ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾المنافقون4 ، بهذا يؤدون ضريبة أعظم من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة التخاذل ، يؤدونها من أقدارهم، ومن سمعتهم، وهم حين يؤدون ضريبة الذل لذوي الجاه والسلطان ، يكونوا قد خانوا الأمانة ، وضعفوا عن تكاليف الكرامة وتجردوا من عزة الحق ، فهانوا على الذين كانوا يهابونهم، وذلوا عند من كانوا يرهبون الحق ، ثم نُبِذَوا وركلتهم أقدام الذين كانوا يَعِدُونهم ويمنونهم يوم كان لهم من الحق جاه، ومن الكرامة هيبة ، ومن الأمانة ملاذ وهنا نسأل ؟ لماذا أهملوا القضية الفلسطينية ، وهي بصدد إحياء أمة ، تبعث فيها الشوق إلى الشهادة ، والاستقامة على نهج الإسلام ، ومغالبة نوازع الضعف والهوان وتأجيج جذوة المقاومة ، وتعبئة مقومات التوحد ، في مواجهة نوازع الخنوع والاستسلام لأعداء الأمة والإنسانية ، ولماذا لا يدعموا الانتفاضة التي نجحت في مواجهة الغطرسة الصهيونية ، ولماذا لا يوجهوا التحية إلى كل مناضل ، ومقاوم في فلسطين ، والتحية إلى الأمهات ، اللواتي أرضعن أولادهن ، حليب المقاومة والصمود والتحية لكل أم ، قدمت ولدها إلى الشهادة فما أجمل هذه العطاءات ، وما أروع هذه التضحيات ، التي يقدمها الشعب الصامد في فلسطين ، ويقول للمتخاذلين : إن ما يجري في فلسطين ، من قتل وتدمير يستصرخ الضمير العربي والإسلامي ويناشد الشعوب ، بأنه لا يحيي الأمم غير التحديات الضخمة، واحتلال فلسطين هو التحدي الأعظم ، الذي ابتلى الله به أمتنا لإحيائها وتوحيدها ، ووضعها مجددا في موقعها القيادي في التاريخ ليتم بناء وتشكيل عالم الأفكار ، والعقائد والقيم والجماعات ، والدول والأحزاب ، فلا يبقى منها إلا من يصمد في طريق مواجهة التحدي ، الذي ستتم به نهضة الأمة وتوحدها ، وستتم به إعادة بناء العلاقات الدولية ، على أساس إنساني عادل ، بديلا عما تقوم عليه العلاقات الدولية اليوم ، من منطق الغطرسة وحق القوة ، بدل قوة الحق والعدل ،فالنستبشر بالمستقبل بدل التخاذل ، فكلما أمعن الصهاينة في الغطرسة والتنكيل ، بأهل فلسطين ومن حولهم ، كلما أيقظوا مزيدا من قوى الأمة الهامدة ، وحرروا مزيدا من الطاقات المعطلة وعبؤوا في مواجهتم مزيدا من الضمائر الإنسانية الحرة ، وهي تستيقظ يوما بعد يوم وتكتشف وجه اليهود النازي المتوحش الذين أذهلتهم هذه الانتفاضة ، كما أذهلت كل من تواطأوا معها ، وصمتوا على عدوانها
فانتصرت المقاومة ، وأصاب الذعر الإسرائيليين ، ومعهم المتخاذلون الذين صمتوا على عدوانهم ، وباعوا ضميرهم وأشقاؤهم ، وهذا ﻟﻴس جديداً ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺘّﺨﺎﺫﻝ ﻭﺍﻟﻤﺘﺨﺎﺫﻟﻴﻦ،ﻓﻘﺪ ﺣﺪﺙ في التاريخ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻣﺮﺓ ، ﺳﺎﺩ فيها ﺍﻟﺘﺨﺎﺫﻝ ﻭﺍﻟﻀّﻌﻒ ﻭﺍﻟﻬﺰﻳﻤﺔ وﺍﻟﺘّﺸﺎؤﻡ ،ﻭﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﻋﻼ ﺻﻮﺕ ﺍﻟﺤﻖ، ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ، ﺇﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺑﻄﺔ، لينتصر ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ وﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸّﺄﻥ ، ﻧﺘﺬﻛﺮ حالهم ، كحال إبي رغال ، أو يهوذا الأسخريوتي ، الذي تآمر على سيدنا المسيح .
فما منكم صلاح الدين ولا أحفاد جنود حطين
فما أراكم إلا ظلال لرجولة قد فسدت
فبئس لصمت أمتكم على أحلام قد قتلت
وبئس لصوت عروبتكم بقول العار قد صرخت
فما انتم سوي أشباح لرجولة قد انتحرت
قد ضاقت بنا الأرض ورحمه ربنا وسعت
فسحقا لقوميتكم على قتلانا ما دمعت
وفي تاريخنا الحديث أبطال ، تعلموا عزة النفس ، والشجاعة والإيمان بالله ، وحتمية النصر ، والفوز بالشهادة، ولهذا سادوا وارتقوا إلى أعلى الدرجات ، أبطال حاربوا نتنياهو فهزموه ، لأنه حارب أحفاد كل رموز العروبة والإسلام ، الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبواب الشجاعة والإيمان بالنصر حتى نالوه، أو استشهدوا من أجله ، كما انهزم كل متخاذل ، وشريك له في هذا العدوان ، فقد سمعنا التصريحات التي تؤكد لنا مجدداً بأن الولايات المتحدة شريكة في هذا العدوان، ومسؤولة جنبا إلى جنب مع الحكومة الإسرائيلية، عن كل قطرة دم تسفك في فلسطين ، الذين حقق أبطالها اكبر المعجزات ، فصمدوا إلى الآن ، ولم يتسولوا وقفا لإطلاق النار، مثلما يريد المتخاذلون ، ولم يستعينوا إلا بالله وليهم وناصرهم، على الجيش الذي يصف نفسه ويصفه حلفاؤه، وداعميه في الغرب، بأنه يطبق أعلى المعايير في الدقة والأخلاقيات جيش لم يقتل إلا الأطفال ، لذا نتمنى على المتخاذلين ، ألا يعتمدوا على الأنظمة والحكومات ، التي وقّعت اتفاقيات السلام مع اليهود ، فالأنظمة زائلة ، والشعوب باقية لأن اليهود ، يريدون إذلال الشعوب ، التي تأبى التطبيع ، واتفاقيات السلام ، فلماذا خنتم وطنكم ، وغدرتم بأهلكم , وتنكرتم لهويتكم ، وتحالفتم مع الأعداء ، فلا تركنوا للذين ظلموا، وخانوا واستسلموا ، ولا تعطوا السلام ، لقاء جزء من وطنكم ، وارفعوا شعار المقاومة ، لأن اليهود لا يريدون أن يتحول الحدث إلى عاصفة ، توقظ الأمة من رقادها، ولا يريدون أن تتعالى صيحات الجهاد ، ولا يريدون أن يكون المسلمون يداً واحدة، أما النفوس التي قتلت، والأرواح التي أُزهقت، والدماء التي سالت، والبيوت التي خُرِّبت، فهي من أقدار الله ، التي يجريها ، لتوقظ القلوب الميتة ، وتحي النفوس التي طال صدأها ، وتقول للمسلمين: انهضوا من سباتكم ، فإن من أوجب الواجبات على كل مسلم ، أن يجدد في قلبه ووجدانه ، تقديس مدينة المقدسات وأرض النبوات ، وبلد الإسراء والمعراج. وليعلم المتخاذلون أن الخير في هذه الأمة لا يفنى ، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته في الحديث الذي رواه عمار بن ياسر: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره) أخرجه أحمد في مسنده بسندٍ صحيح على شرط مسلم وها هم الشهداء الذين أفهموا كل عاقل معنى قول رسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم (إنما أنا قاسم والله يعطي ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله) يريد الله تبارك وتعالى ، أن يقطع دابر كل من ختم على الأمة بالهلاك ، وأن يحقق بفوز الشهيد وسبَقَه معنى قول محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة : (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) فما مات من هذه الأمة ، إلا من أماتها في نفسه ، عندما استسلم لعجزه وفشله. وما مات من هذه الأمة ، إلا من أماتها في ولده ، عندما أهمل تربيته ، وما مات من هذه الأمة ، إلا من لم يقدم شيئاً في الدفاع عن مسرى نبيه ، وما مات من ميت في هذه الأمة ، إلا من تغافل وجحد صورا من صور البطولة الفلسطينية التي ضربت المثل الأعلى للكون كله وليكف لسانه ، من أصر على خذلانهم فحسبهم أن نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم قال فيهم عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الذي قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَجَلْ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحذًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتْهُ ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ ) رواه الألباني في جامعه الصحيح . نسأل الله تبارك وتعالى أن يفرغ على قلوبهم صبرا ، وأن يثبت أقدامهم ، وأن يمتع مستضعفيهم بالنصر وتحرير الأقصى ، كما متع مجاهديهم بالشهادة ، شكرا لأبطال المقاومة في فلسطين ، الذين رفعوا رؤوسنا عاليا وشكرا لأمهات الشهداء والجرحى وآبائهم والعار كل العار، لمن تواطئوا مع العدوان وما زالوا ، والعار كل العار لكل المتخاذلين والمجد كل المجد لأمتنا .
ضريبة التخاذل
