إن طبيعة الدعوة الإسلامية ، توجب على المسلمين هذه الأيام ، أن يحملوا الدعوة كما حُملت من قبل ، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يقتضي الصراحة بالحق ، والجرأة على الباطل ، والقوة بالإيمان ، ومجابهة الأفكار الفاسدة لبيان زيفها ، والعمل على أن تكون السيادة المطلقة لمبدأ الإسلام .
كما ينبغي على الداعية ، أن لا يتملق ولا يداهن ولا يجامل ولا ينافق من بيدهم الأمور ، وأن يتركز اهتمامه ، على العمل على تصحيح العقائد وتقوية الصلة بالله ، وإسلام العباد لرب العباد وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وذلك بإخراجهم من سلطان العباد وحاكميتهم وشرائعهم ، وقيمهم وتقاليدهم ، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شان من شئون الحياة .
كما ينبغي على الداعية أن يعلم أن المد الإسلامي ، ليس في حاجة إلى مبررات أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية . قال تعالى في سورة النساء : ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ . وقال : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ التوبة 29 . فالمبررات في هذه النصوص ، ما هي إلا تقرير لألوهية الله في الأرض وتحقيقٌ لمنهجه في حياة الناس ، ومطاردة مناهج الشياطين ، وتحطيم سلطان البشر الذي يتعبد الناس .
إن الناس عبيد الله وحده ، ولا يجوز لأحد أن يحكمهم بسلطان من عند نفسه ، وبشريعة من هواه ، والدين الإسلامي يقرر مبدأ لا إكراه في الدين أي في اعتناق العقيدة بعد الخروج من سلطان العبيد ، والإقرار بمبدأ أن السلطان كله لله ، وإن الانطلاق بالمنهج الإلهي ، تقوم في وجهه عقبات مادية ، من سلطة الدولة ونظام المجتمع وأوضاع البيئة ، وهذه كلها التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة ، حتى يُفْسح له المجال ، ليخاطب ضمائر الناس وأفكارهم ، بعد أن يحرِّرها من الأغلال المادية ، ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار.
كما لا بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له ، لأن مجرد وجوده في صورة إعلان عام ، لربوبية الله رب العالمين ، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله والذي يتمثل في تجمعٍ تنظيميٍ حركي ، تحت قيادةٍ غير قيادات الجاهلية وميلاد مجتمع مستقل متميز ، لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية ، لأن الحاكمية فيه لله وحده .
فكان لا بد للإسلام أن يدافع عن وجوده ، ويعمل على إزالة العقبات من طريقه ، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم ، دون حواجز وموانع مصطنعة . ومن حق الإسلام أن يتحرك ليحطم الحواجز والأنظمة ، والأوضاع التي تعمل على تجاهله ، ومن حقه أن يُخْرِج الناس من عباده العباد ، إلى عبادة الله وحده ، وليس لأحد من الناس أن يُنصِّب نفسه حاكماً على الناس ومسيطراً عليهم يأمرهم وينهاهم ، دون التقيد بالأمر والنهي لإلهي ، لأن الإسلام نظام شامل ، يريد أن يقضي على سائر النظم الباطلة الجائرة ويقطع دابرها ليستبدلها بنظم صالحة ، فيها خير الإنسانية ونجاتها من الشر والطغيان ، لأن الحق لا يعادي أحداً ، وإنما يعادي الفساد والجور والفحشاء .
إن مهمة حملة الدعوة ، ليست الوعظ والإرشاد في المساجد ، بالتدريس والخطابة ليس إلا ، إنما هم جماعة ، المطلوب منهم ، حمل لواء الحق في الأرض ، وإقامة نظام حكم يتفيأ ظلاله القاصي والداني ، والغني والفقير لأن المسلمين يواجهون أعداءً ، لا يقعدهم عن الفتك بهم ، بلا شفقة ولا رحمة ، لا عهد معقود ، ولا ذمة مرعية .
والتاريخ يشهد على ذلك قديماً وحديثاً ، ابتداءً من عصر النبوة ومروراً بغزو التتار والصليبيين ، وانتهاءً بما يصنعه أعداء الإسلام في هذا العصر في البلاد التي يعيش فيها المسلمون .
إن المجتمع المسلم ، يتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج الله وشرعه ، ويبحث لها عن الحلول التي توافق منهج الله وحكمه .
أما عندما لا يكون هناك مجتمع مسلم ، ولا حاكمية لله ، فإن الأمر بالمعروف يجب أن يسعى لتحقيق قيام المجتمع المسلم ، ويتجه النهي عن المنكر إلى حكم الطاغوت ، الذي يحكم بغير شريعة الله ، كما حصل عند نشأة المجتمع المسلم في المدينة ، عندما تم لهم قيام الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة الله ، وإقامة المجتمع المحكوم بهذه الشريعة .
كانوا يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، في الفروع المتعقلة بالطاعات والمعاصي . تلك هي طبيعة الأمة الإسلامية ، التي بايعها الله على الجنة تقاتل لإعلاء كلمة الله ، أو الاستشهاد في سبيل ذلك ، وليست الحياة عند هذه الأمة لهواً ولعبا ، وليست أكلاً كما تأكل الأنعام ، وليست سلامة ذليلة وراحة بليدة ، إنما جهاد في سبيل الله ، وفي سبيل الخير ، وانتصارٌ لإعلاء كلمة الله واستشهادٌ في سبيل ذلك ، ثم الجنة التي وعد المتقون هذه هي الحياة التي يُدْعى إليها المؤمنون بالله ورسوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
