طريق الإصلاح

قال تعالى : ﴿ أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم ﴾ الملك2 . تصور لنا الآية القرآنية حال الشقي التائه في الضلال الغارق في الكفر ، وقد انتكس قلبه ، فصار الحق عنده باطلا ، والباطل حقا ، الضال عن طريق الله ، المحروم من هداه من أصحاب العقليات الفاسدة ، والنفسيات المريضة  التي لها أهداف التدمير والتخريب والإفساد وغايات الاستعلاء والاستكبار ، والاحتكار وحب السيادة والسلطان ، بخلاف من كان عالماً بالحق ، مؤثراً له ، عاملاً به ، يمشي على الصراط المستقيم ، في أقواله وأعماله وجميع أحواله ، من أصحاب النفسيات الطيبة التي تسلك طريق الإيمان والحمد ، وتسعى وراء تحصيل رضوان الله ، وتعمل من أجل الإصلاح والبناء والتعمير ، والتخلص من العبودية   وبسبب هذا الاختلاف في الطبائع ينشأ الاختلاف على المصالح مما يؤدي إلى المشاحنات والصراع ، الذي يصل أحياناً إلى سفك الدماء

وما نريده ليس التأكيد على وجود هذا الصراع إنما النظر لبعض المواقف داخل حلبة هذا الصراع ، مثل المروءة والرجولة والشجاعة والجرأة أو عكس ذلك ، مثل الجبن والخوف والتخاذل ، ثم ما هي حقيقة وزن الرجال ؟ حتى نعرف مواقفهم في هذا الواقع المرّ  الذي يحتاج إلى علاج و إصلاح ، ولهذا اتجه الإسلام في جميع محاولاته الإصلاحية إلى النفس ، مستهدفاً تقويمها وتهذيبها ، وإن قول الله تعالى : ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾  مصدراً هاماً من مصادر العطاء في هذا المجال ، لأن الآية تشير إلى من طهر نفسه من الذنوب ، ونقاها من العيوب ، ورقّاها بطاعة الله ، وعلاّها بالعلم النافع والعمل الصالح ، ولذلك خاطب الله فرعون فقال : ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ هل لك في خصلة حميدة ، ومحمدة جميلة ، يتنافس فيها أولو الألباب بأن تزكي نفسك وتطهرها من دنس الكفر والطغيان إلى الإيمان والعمل الصالح ، فبصلاح النفس يصلح الإنسان  وللنفس مسميات جاء ذكرها في النصوص ، فتسمى أحيانا النفس  وأحيانا القلب ، وهي جوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) .

وقد تعهد النبي صلى الله عليه وسلم بناء نفوس أصحابه لحمل الرسالة الخالدة ، لتبليغها ، ولأنه صلى الله عليه وسلم يعلم جيدا أن فاقد الشيء لا يعطيه ، فقد أخذ في بناء هذه النفوس ، وإصلاحها  وتزكيتها ، وترسيخ أصول العقيدة وقواعد الفضيلة ومكارم الأخلاق فيها ، حتى إذا ما بنيت الدولة ، انطلقت هذه النفوس المطمئنة ، التي امتلأت بخشية الله ، والتي انتصرت على أهوائها ، في عمارة الكون ، وإصلاح الدنيا   وقيادة أهلها وشئونها ، إلى كل خير وفضيلة ونجاح لقد واجهوا ظلم الجاهلية وطغيانها ، وقسوة الحياة وشظفها  بعزائم من حديد ، وأعلنوا الجهاد على المادية وأدواتها وأنصارها ، ورفعوا راية الإسلام ، ونشروا هدي هذا الدين في أغلب أنحاء العالم ، وجعلوا كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا ، وقد تعهدوا أنفسهم بالإصلاح الدائم ، والرعاية المتتابعة على نفس المنهج الذي رباهم عليه محمد صلى الله عليه وسلم  وترك لهم أصوله ، فكانوا صالحين في أنفسهم ، كما كانوا قدوة صالحة لتابعيهم ، ولمن جاء بعدهم ، بل لكل من اهتدى بكتاب الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته رضوان الله عليهم ، أما اليوم فقد صار هذا الإصلاح لهذه الأمة غاية عزيزة المنال ، غالية الثمن  تحتاج إلى صدق العزم ، وشد الرحال ، وبذل الجهود بل صار أمام هذا الإصلاح عقبات وعقبات . يصور لنا الإمام الغزالي بعضاً منها حيث يقول : خلق الله الخلق على أقسام ثلاثة .. قسم ركب فيه العقل فقط ، وهم الملائكة فهم : ﴿ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ التحريم . وقسم ثان : ركب فيه الشهوة فقط ، وهم الحيوانات ، وقسم ثالث : ركب فيه العقل والشهوة معا وهو الإنسان ، ولذا فهو يعيش في صراع بين ما يمليه عليه عقله ، وما تجره إليه شهواته ، فمن غلب عقله على شهواته .. فهو إلى الملائكة أقرب . ومن غلبت شهواته على عقله .. فهو إلى الحيوانات أقرب .

ولهذا : فالإنسان في صراع دائم بين النفس الأمارة بالسوء   وإصلاح حالها ، بين الخطأ والنقصان المركب في طبيعته والصواب الذي يحبه ، والكمال الذي ينشده ، بين ما يمليه عليه عقله ، وما تجره إليه شهواته  .

إن هذا التردي الذي تعانيه الأمة اليوم راجع إلى التقصير في إصلاح النفس وتعهدها بالرعاية والتزكية ، فتبعت هواها ، وضلت السبيل ، وفقدت صلاح حالها   ومقومات نجاحها ، وضاعت منها مؤهلات الخيرية  وعوملت من الأعداء بلا اكتراث ، وتعرضت حقوقها للافتراس ، إلى غير ذلك من ألوان الخسف والانتقاص.  ولعلاج النفس وتعهدها بالرعاية ، كان الربيع بن خثيم   قد حفر قبرا لنفسه بداره ، وكان يدخله كلما شغلته الدنيا   ويجلس فيه فترة ، حتى إذا ما خشع قلبه ، ورق فؤاده  خرج ، ثم يقول لنفسه يا ربيع ..! لقد خرجت هذه المرة   فاحذر مرة لا تخرج بعدها أبدا ، وإذا كان ذلك عهده مع نفسه ومشارطته إياها إجمالا : فعليه أن يزيد في العهد معها تفصيلا ، بأن يعاهد العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل ، فهي التي  تقود النفس إلى الخير أو إلى الشر ، إذ هي رعايا خادمة لها  وبها يتم أعمالها وتحقيق مأربها . ثم يستأنف معاهدة نفسه فيما يخص العقيدة وصفاءها ومداخل الشيطان إليها  فيكون على ذكر دائم لله  وتوحيد صادق له سبحانه   في أسمائه وصفاته وأفعاله  يقظا لإبعاد الشيطان ووساوسه وهواجسه ، والانقياد له عن نفسه . وفيما يخص الأخلاق والسلوكيات : يعاهد نفسه على دوام التحلي بفضائل الصفات وكريم العادات ومحاسن الآداب ، والاهتمام بأمور المسلمين جلبا للخير لهم  ودفعا للشر عنهم فيفرح لفرحهم ، ويبذل قصارى جهده في دفع أحزانهم وآلامهم   والانشغال بأمور الدعوة إلى الله  والحرص الدائم على رفع شأن الإسلام وإعلاء كلمته .  ويعاهدها كذلك على التخلي عن مساوئ الصفات ودنيء الفعال ، طاعة لله  وامتثالا لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم . وكذلك فيما يخص العبادات والمعاملات .

وهذه المعاهدة مع النفس حقيقة : يحتاج إليها الإنسان  ليحاسب نفسه قبل أن يحاسب ، لأن من طال حسابه لنفسه في الدنيا نجا من أهوال الحساب يوم الحساب  وكلما كثرت محاسبة الإنسان لنفسه : قلت عيوبه  وكثرت ميزاته ، ونجحت خطته في إصلاح نفسه  ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول : ” حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا ، وتهيؤا للعرض الأكبر ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ ، والقرآن الكريم نبه إلى ضرورة هذه المحاسبة للنفس في الدنيا من باب نشدان الكمال ، وإصلاح النفس  وللتدريب على مواجهة مشقات الحساب قبل يوم الحساب ، حيث يقول سبحانه : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ .

فمجاهدة النفس وبذل غاية الاستطاعة في الوصول إلى إصلاح حالها ، تخلصا من العيوب ، واكتسابا للفضائل  وبلوغ أقصى الدرجات في تحقيق ذلك عبر عنه الشاعر بقوله :

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته       أتطلب الربح مما فيه خسران

أقبِل على النفس واستكمل فضائلها    فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

 وهذا أبو الطيب المتنبي يقول :

وإذا كانت النفوس كبارا    تعبت في مرادها الأجسام

ففي النفوس نفوس كبيرة ، ونفوس صغيرة ، نفوس منحطة ونفوس عالية ، نفوس كريمة ونفوس لئيمة ، وهي نفوس أهل الباطل والظلم وهم في استعلاء ظاهرين فوق العباد بظلمهم وجبروتهم  وتخاذل أهل الاستقامة والصلاح نتيجة الوهن الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( الوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت ) والخوف والجبن الذي يسيطر عليهم ويأخذ مأخذه فيهم فيتراجعوا عن القيام بالواجب لصالح أصحاب الباطل ، لأن الجبن ما اتصفت به أمة إلا وأفقدها النخوة والرجولة والعزة والكرامة ، وفتح لعدوها سبل الظلم والفساد والعبث بحياة الناس ومصالحهم   فيتلاعبون بها كيفما أرادوا دون معارضة ، بسبب الجبن الذي أفقد الأمة العزة والشهامة وقتل فيها الإحساس بالكرامة ، فوجد الأعداء حظهم فيها ولم نجد من يأخذ على أيدي الظالمين نتيجة الجبن والوهن الذي أمات القلوب   وهو ما حذر الله منه بقوله : ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ﴾ هود 113 .

فنحن بحاجة إذن إلى قدر من الحماس نصبه على البرود القاتل الذي ابتلينا به ، في مواجهة القضايا والمصائب التي تحيق بالأمة وتهدد مصيرها ، والأوبئة التي تفتك بها والانحرافات السياسية والاقتصادية التي تهزّ كيانها   والتيارات الثقافية التي غزتها في عقر دارها ، إننا بحاجة إلى صرخات المخلصين لتوقظ النائمين وتحذر الغافلين وترهب المتلاعبين ، نعم نحن بحاجة إلى هؤلاء وأولئك ما دام المعروف ضائعاً والمنكر شائعاً ، وما دام الإسلام يعيش غريباً في أوطانه مضطهداً بين أهله ، وما دامت شريعته معطلة ، وقرآنه مهجوراً ودعاته معزولون عن مواطن التأثير والتوجيه . إننا بحاجة إلى عمل بالإسلام وعمل للإسلام  وذلك بتحمل عبء الدعوة إليه عقيدة وشريعة   ودنيا ودولة ، وحضارة وأمة ، وثقافة وسياسة والجهاد في سبيل تمكينه في حياة المسلمين ، حتى يتفق واقع المسلم مع عقيدته  ويلتقي سلوكه مع ضميره ، وألا نكتفي بالتدين التقليدي : وهو التدين الجزئي الفردي المعزول عن قضايا الأمة الكبرى ، وعن رسالتها في الحياة ومكانتها في

الوجود ، وإن الذين يقتصرون على ذلك ويحسبون الإيمان والتقوى والاستقامة والصلاح مجرد أداء للشعائر  والإكثار من التسبيح والتهليل والتكبير ، والامتناع عن المحرمات المعروفة من الزنا والسكر ونحو ذلك ، مع تغييب العقل وإهمال العلم وإغفال العمل ، ومجافاة السنن ، وانتظار البركة من السماء ، وقد علموا كما قال عمر بن الخطاب : أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، ولو رجعوا إلى ما كان عليه المسلمون الأوائل ، الذين أورثهم الله الأرض ، ومكن لهم فيها وجعلهم أئمة وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا ، لعرفوا أنهم لم يحققوا ذلك إلا بالجهد والعلم ، والفكر الدءوب والجهاد الصبور ، هكذا فهموا الإيمان والتقى والاستقامة والصلاح ، فقد وازنوا بين العمل للدنيا والعمل للآخرة ، وجمعوا بين حظ النفس من الحياة   وحق الرب في العبادة  فخدموا الدين بالدنيا ، وأصلحوا الدنيا بالدين : ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ آل عمران 148 .

إن من السطحية أن نحسب  أننا بمجرد  أن ننادي بالإسلام شعاراً أو نغيِّر بعض المواد القانونية بمواد إسلامية يطلع علينا الصباح وقد حلّت مشكلاتنا ، وشفينا من كل أدوائنا غافلين أن لله في خلقه سننا لا تحابي ، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإن التغيير يحتاج إلى عمل طويل النفس ، وتوجيه متعدد الجوانب متنوع الوسائل ، وإن الإصلاح يحتاج إلى تخطيط مدروس   ورجال يجمعون بين القوة والأمانة ، ويقودون سفينة التغيير إلى بر الأمان  وذلك ليس بالمستحيل إذا صدقت النيات وصحت العزائم   وفي ذلك يكون طريق النجاة والخلاص قال تعالى :﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *