عاقبة الإفساد

لقد أنزل الله منهجاً لحياة الناس ، فبذل المفسدون كل ما في جهدهم ، لإفساد هذا المنهج ، بل تآمروا ضده ، وادعوا أنهم مؤمنون به ، ليطعنوا الإسلام من داخله ، وقد تنبه أعداء الإسلام إلى أن هذا المنهج ، لا يمكن أن يتأثر بطعنات الكفر ، بل يواجهها ويتغلب عليها ، لأنه ما قامت معركة بين الحق والباطل إلا انتصر الحق ، وتنبهوا إلى أن هذا المنهج لا يمكن أن يهزم ، إلا من داخله ، وذلك لا يمكن إلا باستخدام المنافقين في الإفساد الذي يمكنهم من تفريق المسلمين ، فظهرت العلمانية واليسارية وغيرها ، وغلفوها بغلاف إسلامي ليفسدوا في الأرض ، ويحاربوا منهج الله ، وإذا طلب منهم أن يمتنعوا عن الإفساد ادعوا أنهم لا يفسدون ، ولكنهم يصلحون مع أنهم في الحقيقة مفسدون ، لماذا ؟ لأن في قلوبهم كفراً وعداءً لمنهج الله ، وإعراضاً عن المنهج ، الّذي رسمه الله عزّ وجلّ لصالح البلاد والعباد ، فأصبحنا نعاني من الشقاء والشرّ والفساد ، بدلا من السعادة والخير والصلاح قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . ولذلك استغلت الوظائف العامة للمصالح الخاصة ، وظهرت الخيانة بين أفراد المجتمع ، وانتشر الغش والاعتداء على أرزاق الناس وممتلكاتهم ، في منطق يعتمد قَلْب الحقائق ، وتزييف الأمور وطَمْس الحق، وتزيين الباطل! فترى المفسدين يرون الحقَّ باطلاً، والباطلَ حقًّا ، والإيمان كُفرًا والكفر إيمانًا، والنصر هزيمة ، والهزيمة نَصْرًا والعُرْي فَنًّا، والفنَّ عُرْيًا، والذلَّ عِزًّا والعِزَّ ذُلاًّ ولسان حالهم يقول كما قال سيدُهم في الإفساد وقُدْوَتهم في الباطل: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ غافر 29. وقد نهى الله عن الفساد ، وتتابعت رسُل الله وأنبياؤه ، ينهَون عنه في الأرض ، قال تعالى : ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ القصص 77 . وجاء الإسلام يدعو إلى الخير ، وينهى عن الشرّ والفساد﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ﴾الأعراف 56 ، ولا صلاح في الأرض ، لا يكون إلا بدين الإسلام ، ولا عجب أن كان الإفساد في الأرض بعد إصلاحها من أعظم الإفساد وأقبحه، وأشده إيغالاً في الشر ، ولذلك اعتُبر من الكبائر الموبقات المهلكات ، التي توعد الله من اقترف منها شيئاً ، بأليم عقابه، وبينها رسول الله في الصحيح الثابت من سننه كالسحر وقتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور والزنا، وشرب الخمر، وتعاطي المخدرات والسرقة، وقطيعة الرحم، وأكل أموال الناس بالباطل، وطلب الرشوة أو أخذها ، والفساد الإداري في الأجهزة والإدارات المختلفة وكذلك الاعتداء على حقوق الآخرين ، بسرقة أو نحوها، واحتكار المواد الغذائية ، وخاصة الضروري منها ، وأشد ذلك إيلاما ، ما يفعله الظلمة اليوم ، من القتل والهدم والتشريد والحصار الذي لم يستثن شيخاً كبيراً، ولا شاباً ولا طفلاً صغيراً، وغير ذلك من الموبقات ، التي يوبِق بها المرءُ نفسه، فتنتقص من إيمانه، ويغدو باقترافها مطية للشيطان ، يسوقه إلى حيث شاء من سبل الشرور ، ومسالك الغواية ويطمس بصره عن البينات، ويعمي بصيرته عن الهدى، ويزين له عمله، ويمد له في غيه، ويحسّن له عوجه، حتى يرى حسناً ، ما ليس بالحسن فيحسب أن ما هو عليه من الإفساد في الأرض ، هو الصلاح حقاً بلا ريب، شأن أهل النفاق ، الذين أخبر الله عن حالهم بقوله : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾البقرة11. وإذا كان الفساد في الأرض إنما يقع فيها بما كسبت أيدي الناس ، كما قال سبحانه : ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ ﴾الروم 14 ، لذا فإن علاجه ورفعه ، لا يكون إلا بما تكسبه أيدي الناس لأن الله لا يغير ما بقوم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ولا يتم ذلك ، إلا إذا تاب الناس إلى ربهم ، والتمسوا رضوانه ، وعبدوه حق العبادة ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ الأعراف 56 . هناك جهات موجَّهة لا تحب الطُّهْر في الاعتقاد ، ولا في الحياة الاجتماعية، فنَحَرَوا الحياء والعِفَّة ، بسكين الحرية المغشوشة، وطَعَنَوا السعادة بِخِنْجر الغَلاء والثراء، وضربوا العِزَّة والكَرَامة ، بمدْفَع الذُّلِّ والاستبداد! وما أحبُّوا الطُّهْر الاقتصادي فطَحَنَوا الشعوب والأمم ، بِرَحى الرِّبا والاحتكار! وما أحبُّوا الطُّهْر السياسي، فأقصوا شَرْعَ الله، وحَارَبَوا عباد الله ، وحَرَمَوا الشعوب من عَدَالة الإسلام تحت ستار الإرهاب وراحوا يشجعون كل فساد وفرقة بين المسلمين ويبطنون العداء للإسلام وأهله ، ويروجون للشائعات والأراجيف ، والأباطيل التي يقصدون بها ملء القلوب ، من الفتن والمصائب ، وشحْنها بالأحقاد والبغضاء على الأمة ، فراحوا يستغلون كل حدث، ليوظفوه في سبيل ضرب الأمة ببعضها ، في مؤشر لكثرة المبطلين، وضعف الخيرين ، والأمة التي يسري فيها الفساد ، ولا تستنكر، ليست خليقةً بالبقاء، لأن الناس إذا رأوا الظالم ، ثم لم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده، وإذا ترك الناس كما يطال الإفساد ليطال منهج الله ، فإن ذلك يسبب الخلل في النظم والقوانين ، كما يطال الإنسان في نفسه وفي وجدانه، ومشاعره وحاجاته الجسدية والروحية ، وفي أفكاره فيسممها، وفي روحه ا فيدمرها، وفي عقله فيخربه ، وفي قلبه فيقسو ويموت، وفي أخلاقه فينحرف بها عن خط الإسلام ، ولعل أكثر ما يعزّز موقع الفساد أن يتولى المفسدون ، مواقع السلطة أو يمتلكون الصلاحيات ، مع غياب الرقابة أو المحاسبة ، وإلى هذا أشار القرآن الكريم عندما قال:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ البقرة 204 . ولا فرق، بين أن تكون السلطة سياسية أو دينية. فقد قال رسول الله عليه وسلم : ( اثنان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة: العلماء والأمراء ) . أليست سلطة الفتيا هي واحدة ، من هذه المسؤوليات التي تتحمّل المسؤولية عما يجري اليوم، من تعطيل للعقول وتخديرها ، وقسوة القلوب وفظاعة المواقف والأفعال ، وصولا إلى الفساد الأكبر ، وهو استباحه دماء الناس الأبرياء كما نشهد في واقعنا ، وتطالعنا به الفضائيات يومي ،ا وتزودنا به ونسمعه في الأخبار، لذا فنحن مدعوين إلى الوقوف أمام ظاهرة تسميم العقول والأفكار ، وتوريط ضعيفي العقول في ضرب استقرار الأمة الإسلامية، وندعو بأن يهدي الله صناع القرار ، ومن حمّلهم الله مسؤولية مواجهة المفسدين ، وسماهم المصلحين الذين خفتت أصواتهم ، خشية أن يروا متلبسين بالإصلاح ، أو بقول كلمة الحق فكم نحن بحاجة إلى رفع صوت الإصلاح ، إذ لا يجوز السكوت ، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس ، ولا نجاة لنا إلا بالسعي نحو الإصلاح : ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾ وقد ذكر الله في القرآن ، خبر الأقوام الذين أفسدوا في الأرض فنزل بهم البلاء، وقد حذرنا الله أن نسلك مسلكهم، وبين لنا ما ينتظرهم من العذاب فقال تعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *