عاقبة التعنت

قرأت في تاريخنا الإسلامي عن مواقف مشابه لواقعنا اليوم؛ فوجدت موقفاً للإمام الحسن بن علي، مشابها عندما قتل الإمام علي بن أبي طالب على يد أحد الخوارج ، حدث انقسام وفتنة ، فقد بايع أهل العراق ابنه الحسن على الخلافة ، ورفض أهل الشام مبايعته ، ولما رأى الإمام الحسن استعداد أهل العراق مناصرته ، لقتال أهل الشام ، تقدم بمبادرة لحقن الدماء ، فتنازل عن الخلافة لمعاوية ، واشترط عليه أن يحقن دماء المسلمين ، فوافق ، وسمى ذالك العام بعام الجماعة ، لاجتماع كلمة المسلمين فيه ، وحقن الدماء ، ما أحوجنا اليوم لكي نأخذ لدروس والعبر من تاريخنا الإسلامي ، فنتصرف كما تصرفوا ، أم إن الكرسي والسلطة التي تسيل الدماء من أجلهما يحول دون ذلك ، بل إن الوصول إلى السلطة أوصلنا إلى ما نراه اليوم من مذابح وجرائم ترتكب في حق المسلمين من بني جلدتهم ، طلباً للحكم ، دون مراعاة لدين ولا عرف , فانتهكت الحرمات التي غلظ الله في معاقبة من يقترفها , وعلق في عاتق القاتل ظلما ، جزاء من قتل العالم بأسره وشدد الله عز وجل في كتابه العزيز على تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وكذلك شدد على عدم قتل المؤمن بدون وجه من وجوه الحق فقال تعالى :﴿ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ . وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف للصحابة ما نحن فيه من هرج ومرج وسفك للدماء ، ونزاعات وفتن فيما رواه ابن ماجه وأحمد وصححه الألباني عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ . قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: الْقَتْلُ قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ، إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ) . إن ما نراه اليوم من قتل وسفك للدماء ، يدل على أن هذه الأمة مبتلاة ، روي في صحيح أبي داود : ( أمتي هذه مرحومة ، عذابها في الدنيا : الفتن والزلازل والقتل والبلايا ) . فالذبح شهادة ، والتعذيب كفّارة للسيئات ، ومن قضى من المسلمين في المذابح ومضى إلى ربه ، فلعلها راحة له من عناء الدنيا ونعيم عظيم في الآخرة.
إن لملة الكفر ومن والاهم ، في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة ، فإذا كانت لهم القوة والقدرة سفكوا دماء المسلمين ، فلا دين لهم ولا إيمان ولا رأفة لديهم ولا رحمة ولا شفقة ، إنهم يرتكبون المذابح ، حقدا وانتقاما ، وتهجيرا وإيهاما ، بالقوة والبطش ، والتخويف والحرب ، تلك هي طبيعة ملة الكفر : ﴿ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ وجه قبيح يعكسونه في معركتهم مع الإسلام والمسلمين ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ . هؤلاء الكفرة ومن والاهم جبناء ، يتسلطون على المستضعفين والعزّل وكبار السن والنساء والأطفال ، لا يقنعون بجريمة واحدة بل جرائمهم مركّبة : إهانة وإذلال واغتصاب ، وذبح وحرق وتباهي وإشهار ، إن هذه المذابح التي نسمع عنها ونرى ، توجب الجهاد للدفع قال تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ . كما توجب على أهل الحلّ والعقد النظر في تدبير أمور المسلمين ، وإيجاد الحلول العملية للوصول إلى سياسة ردع قائمة على القصاص قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ . ووتتطلب توعية المسلمين بما يمكرون ويخططون قال تعالى: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) حتى لا ينخدع بهم المسلمون ، ولا يأملون منهم شيئا لأنهم يشاركون في الجريمة ، وعلى أحسن الأحوال يتفرجون ، فماذا يُرجى منهم ؟ وكيف نواليهم ونتقرّب إليهم ونتشبّه بهم.
إن إستراتيجيتهم التي يتصدّى لتنفيذها البعض تحت مسمّى “الربيع العربي”، هي الوجه الحقيقي لـ”خريطة الدم الأمريكية” والتي تقضي بإغراق الشارع العربي والإسلامي بالدم، بل إن المؤامرة لن تتوقف عند سورية ومصر وتونس وليبيا وفلسطين ولبنان، إنما ستمتد نيرانها لتحرق تركيا وقبلها الخليج العربي بإماراته ومشيخاته .
إن ما يجري في المنطقة ، يدل على رائحة التطرف والتآمر على قضايا الأمة ، والتي تظهر جلية وواضحة من خلال رعاية الثورة المضادة في المنطقة العربية تحت راية الإسلام السياسي المزعوم ، وللأسف لم ينتبه العرب لذلك ، وأصبحوا في مهب الريح يتسابقون للحصول على مباركة ، من يد ملطخة بالدم العربي، وهي تهدم أساسه حتى تصدع، إذ أعاد الربيع العربي المهيمن عليه من قبل ما يسمى الإسلام السياسي ، ليبيا إلى عدم الاستقرار ، ومصر إلى زمن التناحرات الطائفية وثقافة الإلغاء والعراق إلى التناحر والاختلاف .
إن ما يحدث ما هو إلا مقدمة للواقع الأسود الذي ينتظر هذه البلدان ، في حال استمرت في إغماض عيونها عما يدبر ويخطط لها من مشروعات التقسيم والتفتيت ، على أسس طائفية ومذهبية وليس الحال في تونس بأفضل من جيرانها ، وسوريا تعاني ما تعاني ، إن إستراتيجيتهم تقوم على دعم القوى المتطرفة تحت يافطة “الربيع العربي” وما هي إلا الوجه الحقيقي لـ”خريطة الدم الأمريكية” التي تقضي بإغراق الشارع العربي بالدم، في حروب تختلف عن أسس ومبادئ فن الحرب وتبتعد كل البعد عن السياقات العسكرية المهنية ، ليظهر جيل جديد من الصراع والحرب القذرة ، التي لا تعتمد على المبادئ والقيم الإنسانية ، التي تقرها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية ومواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان ، واتفاقيات جنيف, التي حددت بنودها دول وحضارات تؤمن بقيمة الإنسان ، لقد جاءت الأحداث الدامية التي طمست معالم الدين , واحتلت ديار المسلمين , وخربت مساجد وجوامع المؤمنين , وملئت بطون المسلمات الحرائر بنجس المتمردين , بطون انتفخت بالحرام , وبطون بقرت بأيدي اللئام وجامعات أشرعت لكل مبيح للحرام! فبحت الأصوات وهي تنادي يا أحرار العالم هل فقئت أعينكم بأيدي الغربيين؟ هل خيطوا براطمكم بركبكم لكي نقول معذورين؟! أم انتهكوا أعراضكم وسبوا نسائكم كما فعلوا بالمسلمين؟ وهل نهبوا أموالكم ، كما نهبوا أموال الفقراء من المساكين؟ ولماذا نرى الغربيين والخونة العلمانيين لكم مسالمين ، ومصافحين ومسرورين؟ أم أن أسمائكم في صحفهم في أضخم العناوين؟! فأين انتم من هؤلاء المستضعفين؟ ألم تروا وتسمعوا كيف يقتل أطفال المسلمين ، باستعمال الكيماوي بأيدي الملعونين ؟ أم أنكم لم تسمعوا عن الرجال الذين ماتوا قهراً من أفعال الحاقدين ، ولا عن الأسيرات في سجون العملاء الخائنين . أما نحن فلا نملك إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *