إن في الكون كائنات دقيقة، يأخذ المسلم منها عظةً، وإيمانًا بالخالق سبحانه، ومن عجائب ما فيها، قدرة الله المتناهية في كل أمر، منها ما يُدْرَكُ بالإحساس وله منافع في تلاقح الأشجار وجودة الثّمار، وإزالة بعض الأمراض، ومكافحة الأوبئة، وغير ذلك، حسب ما بدأ يتكشّف للإنسان، ومنها ما لا يُدْرَكُ، ولكنّه عالم مستقل بذاته. فمثلاً الطير الأبابيل ، فقد توسّع سيد قطب في تفسير هذه السورة وغيرها، ليبيّن أن البشر يجب ألاّ يخضعوا الآيات الكونيّة، لمفهوم عقولهم؛ لأنّهم (مَا قَدَرُوْا اللهَ حَقَّ قَدْرِه) وإنّما ينبغي تسليم الأمور في الغيبيّات، لمشيئة الله وقدرته، وعدم إخضاعها لأحاسيس البشر الضّعيفة القاصرة، وخاصةً في كل كائن ضعيف في نظرنا، خلقه الله، خاصّةً وأننا لا ندرك أمورًا كثيرةً، منها تسبيح هذه المخلوقات المتناهية في الصّغر، يقول سبحانه:﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحَ بِحَمْدهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ 44 الإسراء.
وهذا من علم الله الذي يفتحه لمن يشاء مِنْ عباده، حتى يزداد الإيمان بالله، وعجائب قدرته، مثلما علمّ الله أنبياءه، ما لم يعلمونه، وقال عن صفوته من خلقه صلى الله عليه وسلم، وهو الأميّ: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ 113 النساء . ففهم لغة جذع النخلة، الذي كان يخطب عليه، فحّن كالطفل بعدما تركه للمنبر الذي عمِل له، فضمّه حتى هدأ، ومثل ما قال للجبل الذي اهتزّ، وعليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان، وقال له: ( اهدأ ثبير فإنّما عليك: نبيّ وصدّيق وشهيدان). وغير هذا من الوقائع التي تبرز فيها الخوارق التي هي من عجائب قدرة الله، وتزيد المتأمل يقينًا وإيمانًا بقدرة الله جلّ وعلا، وعبرةً توصل اليقين، وعبرةً لمن أراد أن يعتبر، مثلما قال الله في قصة إحياء الموتى، على لسان نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، لـمّا سأل ربّه: كيف يحي الموتى.؟ فقال الله: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ 260 سورة البقرة . فأرشده ربه إلى طريقة حسّية، تثبت إيمانه، وهي أيضًا من الخصائص التي منحها الله لنبيّه، عيسى ابن مريم عليه السلام.
وعلّم الله نبيّه سليمان عليه السلام، منطق الطير، ولغة النمّل ومخاطبة الهدهد، فقد جاء في الكتاب الكريم، قول النملة وهي من أصغر مخلوقات الله لما شاهدت، جحافل موكب النّبيّ سليمان: من الجن والإنس والطير وغيرها، موجهة القول لعالم النمل ومحذّرة: قالت نملة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوْا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُوْنَ ﴾ النمل الآية18. وقد استدل بعض المحقّقين من كلمة ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ أن عالم النمل مخلوق من مادّة زجاجيّة؛ لأنه هو الذي يتحطّم، ولو كان من عظام أو حديد لجاءت عبارة أخرى: كالتكسير والتمزّيق وما إليها..
وذكرت الآية حديث النملة، وانعكاسه على سليمان عليه السلام، فكان الردّ من سليمان على حديثها الذي أسمعه الله إياه : ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ سورة النمل 18 والنماذج على عجائب قدرة الله في مخلوقاته، لا تُعَدُّ ولا تُحْصىٰ، وكما يقول الشاعر :
وفي كل شيء له آية تدلُ على أنه الواحدُ
فالله سبحانه أعطي الآيات التي علم أن الفطرة السليمة تستقبلها كآية وتؤمن بها. وأنزل لنا القرآن لنؤمن بالرسول الذي يحمله منهجا يُصلح حياتنا وقد جعلنا سادة للكون؛ تخدمنا كل الكائنات، في الوجود ، وتصب جهدها المسخر لخدمتنا ، لأن الله ما خلقها عبثاً، ولا خلقها للعب، إنما خلقها من أجلنا نحن ، لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم، خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عمن أنت له ) .
فالكون مملوك لك، وأنت مملوك لله، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك. فإذا كنتُ قد جئتُ للأجناس كلها وجعلتُها دونكم وأعطيتها ما يصلحها ويقيمها ووضعت لها نظاماً، وأعطيتها من الغرائز ما يكفي لصلاح أمرها حتى تؤدي مهمتها معكم على صورة تريحكم فإذا كان هذا هو شأننا وعملنا مع من يخدمكم فكيف يكون الحال معكم؟ إنني أنزلت المنهج الذي يُصْلِح حياة من استخلفته سيداً في الأرض﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ الى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ الأنعام 38 . وكل الدواب دون الإنسان أعطاها الإله الإيمان بالفطرة، وهداها إلى الرزق بالغريزة. وميز الإنسان فوق كل الكائنات بالعقل، ولكن الإنسان يستخدم عقله مرة استخداما سليما صحيحا فيصل إلى الإيمان، ويستخدمه مرة استخداما سيئا فيضل عن الإيمان. وكان على الإنسان أن يعلم أنه تعلم محاكاة ما دونه من الكائنات؛ فقابيل تعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه. ومصمم الطائرات تعلم صناعة الطيران من دراسة الطيور. إذن كان يجب أن يتعلم الإنسان أن له خالقاً جعل له من الأجناس ما تخدمه ليطور من حياته ومن رعاية كرامته بعد الموت. والمثال ما قالته نملة لبقية النمل:﴿ حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ﴾النمل 18. إن النمل أمة لها حرس، قالت حارسة منهم هذا القول تحذيراً لبقية النمل. والله سبحانه يقول:﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ الإسراء 44 . إذن فكل أمة من تلك الأمم الكثيرة التي خلقها الله في الكون تسبح بحمده، ولكن لا يفهم أحد لغات تلك الأمم. وأعلمنا الله أنه علم سيدنا سليمان لغات كل الأقوام وكل الأمم المخلوقة لله، ولذلك عندما سمع سيدنا سليمان ما قالته النملة: ﴿ تبسم ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ﴾ .
وهكذا علمنا أن الله قد أعطى إذن سليمان عليه السلام ما جعلها تمتلك حاسية التقاط الذبذبة الصادرة من صوت النملة وتفهم ما تعطيه وتؤديه تلك الذبذبة، لذلك تبسم سليمان عليه السلام من قولها؛ لأن الله علمه منطق تلك الكائنات. ولو علمنا الله منطق هذه الكائنات لفقهنا تسبيحهم لله، ونحن لا نفقه تسبيحهم لأننا لم نتعلم لغتهم ، إذن لو علمك الله منطق الطير، ومنطق الجماد، ومنطق النبات؛ لعلمت لغاتهم ، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى:﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ الأنبياء 79 . إن الجماد تسبح مع داود. وكذلك الطير؛ فها هو الهدهد قد عرف قضية التوحيد، وحز في نفسه أنه رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ النمل: 24 . إذن فالهدهد قد عرف قضية التوحيد، وعرف أن السجود إنما يكون لله سبحانه وتعالى:﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ النمل: 25. إذن كل الكائنات هي أمم أمثالنا. وقد يقول قائل: ولكن هناك كائنات ليست في السماء ولا في الأرض، مثل الأسماك التي في البحار؟ ونقول: إن الماء ثلاثة أرباع الأرض والسمك يسبح في جزء من الماء الذي هو جزء من الأرض. فهو يسبح في جزء من الأرض فسبحانه الذي خلق الدواب في الأرض، وخلق الطيور، وخلق الأدنى من هذه الأمم وهداها إلى مصلحتها ومصدر حياتها: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾. ونرى العلماء يحاولون الآن اكتشاف لغة الأسماك واكتشاف كل أسرار مملكة النحل ونظامها، وكيف تصير أعشاش النمل مخازن في الصيف لقوت الشتاء. ودرسوا سلوك النمل مع حبة القمح، وكيف تخلع النملة خلايا الإنبات من بذرة القمح، لأن خلايا الإنبات إن دخلت مع حبة القمح إلى مخزن غذاء النمل قد تنبت وتدمر جحر النمل. قال الألوسي: “ومن تتبع أحوال النمل لا يستبعد أن تكون له نفس ناطقة؛ فإنه يدخر في الصيف ما يقتات به في الشتاء، ويشق ما يدّخره من الحبوب نصفين مخافة أن يصيبه الندى فينبت إلا الكزبرة والعدس فإنه يقطع الواحدة منهما أربع قطع ولا يكتفي بشقها نصفين؛ لأنها تنبت كما تنبت إذا لم تشق، وهكذا نرى صدق الحق الأعلى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَا ﴾ الأعلى: 2-3.وقرون الاستشعار في النملة تثير العلماء؛ لأن النملة الواحدة ترى على سبيل المثال قطعة السكر، فلا تقربها ولكنها تذهب لاستدعاء جيش من النمل قادر على تحريك قطعة السكر، ووجد العلماء أن وزن الشيء الذي يتغذى به النمل إن زاد على قدرة نملة، فهي تستدعي أعداداً من النمل ليؤدوا المهمة. وتساءل العلماء: من أين للنمل إذن هذه القدرة على تحديد الكتلة والحجم والوزن؟ إن تحديد العدد الذي يحمل حجماً محدداً يثير الغرابة والعجب، فكيف يمكن أن نتصور أن النمل يفرق بين شيئين يتحد حجمهما ويختلف وزنهما ككتلة من حديد وأخرى تماثلها في الحجم من الأسفنج؟ إن النمل يستدعي لكتلة الحديد أضعاف ما يستدعيه لحمل كتلة الأسفنج مع اتحادهما في الحجم؛ إنها من قدرة الحق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. ثم إنك تلتفت إلى الحيوان فتجد الذكر والأنثى، وتجد أن الجمال كله في ذكور الحيوان، بينما لا يكون الأمر كذلك في إناث الحيوان، والكثرة الغالبة هي من الإناث والقلة من الذكور، ولا يقرب الذكر أنثاه إلا في موسم معين، وإلى أن يأتي موسم التلقيح تنصرف الأنثى إلى إعداد العش وتهيئته لما عساه أن يوجد من نتاج، وهذه العملية لحكمة عالية ربما تكون لبقاء نوع الحيوان حتى يعين الإنسان في إعمار الأرض ، وفي عالم الطير نجد الطيور تبني العش بفن جميل لاستقبال الفرخ الذي خرج من البيض وتفرش له العش بأنعم الأشياء، إنها تفعل ذلك بإتقان جيد وبصورة ربما يعجز البشر أن يعمل مثلها. ثم نجد في دنيا الحيوان والطير أن الكائن ما إن يبلغ القدرة على الاعتماد على نفسه فلا تعرف الأم ابنها من ابن غيرها. إذن فكل المخلوقات أمم أمثالنا أرزاقاً وآجالاً، وأعمالاً، فصدق الله إذ يقول: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وقد يكون المراد من الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، ولكننا نقول: إنه القرآن، وكل شيء موجود ومذكور أو مطمور في القرآن الكريم. وذكر القرآن أن هذه الأمم تعرف التوحيد، وأنهم يسبحون لله. والعمل المعاصر يكتشف في كل دقيقة حقائق هذا الكون المنظم. ونجد العقل يهدينا إلى أن نوجد أشياء لصالح حياتنا، ولكن عندما نتبع الهوى فإننا نفسد هذا الكون. إن الله سبحانه جعل للخادم من دواب الأرض نطاقًا للعمل والرزق والأجل بحكم الغريزة، وكذلك جعل للطير، ولكل الكائنات: ويقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته الكريمة: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾الأنعام 38 . إذن كل شيء يحشر يوم القيامة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) . أي أن الحق سبحانه يقتص من الشاة ذات القرون التي نطحت الشاة التي بلا قرون ويعوضها عن الألم الذي أصابها. وبعد أن يأخذ كل كائن من غير الإنس والجن حَقَّه يصير إلى تراب. أما الذين يسمعون ولا يستجيبون فهم المكذبون بالآيات، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾
عجائب قدرة اللَّه
