عزّة المسلمين في التمسك بمبادئ الإسلام

قال تعالى :  قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها  الأعراف 89
وقال في نفس الآية  ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين  . إن الإسلام يدعوا الناس إلى انتزاع السلطان من أيدي غاصبيه من البشر، ورده إلى كلمة الله ويدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم ، وتحرير رقابهم من العبودية إنقاذ أرواحهم واموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم . إن الإسلام واحد من الأديان الخالدة، التي لم تتنـزل من السماء إلى الأرض في ليونة ونعومة ، فقد عاند من عاند ، وكفر به من كفر ، ولكنه ظل شامخاً في وجه التحديات، لأن القضية على المستوى الفكري والعقائدي ، هي أن يكون أو لا يكون
في عالم يسوده الخوف والقلق ، والمجازر البشرية ضد المسلمين هنا وهناك ، وحروب دامية لا غاية من ورائها إلا حراسة مطامع الأقوياء ، واستبقاء سيطرتهم على ثروات الضعفاء ، فلا عهود ولا مواثيق ، ولا أمن ولا أمان ، ولا تعاون ولا تراحم إلا في القرارات المعطلة ، التي لا ترى النور ، فإذا قالوا بأن ديننا دين العزة والكرامة ، والوحدة والقوة والمنعة ، كان حاضر المسلمين وما هم عليه من ذلٍ وهوان ، وفرقة واختلاف ، وخضوع للحكم الأجنبي لا يتوافقان وما يتحدثون به . فالمسلمون بتنكرهم لدينهم ، وعدم تمسكهم بتعاليمه ، يحولون بينه وبين الناس ويقفون في وجه الدعوة إليه ، ولعلهم بحالهم هذه قد صاروا ممن تشملهم الآية الكريمة  ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعِدون وتصدُّون عن سبيل الله  الأعراف 86 . فأنى توجهت بنظرك تجد حجاباً كثيفاً مسدوداً عن محاسن الإسلام ، من انحراف المسلمين ، والمسلمين بذلك يعرقلون الدعوة ، ويتحملون إثماً كبيرا في الصد عن سبيل الله ، فقد جاء في حديث المعراج : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على خشبة في الطريق ، لا يمرّ بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته ذلك فيما رأى من آيات الله ليلة المعراج فقال : ( ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا مثل أقوام
يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا قوله تعالى :  ولا تقعدوا بكل صراط توعدون  .
وبعكس ذلك لو كان المسلمون على هدى من ربهم ، وإتباعا لما جاء به نبيهم ، فعملوا برسالته الخالدة ، لكان كل واحدا منهم داعياً إلى الله ، ومبشراً بكلمة الحق ، ومستحقاً للثواب الجزيل الذي جعله الله للدعاة الهداة على جاء في الحديث الصحيح ( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس ) . ولكنهم تأخروا لأنهم لم يحافظوا على دينهم وتدخل الغرب في شئونهم وسيطر على عقولهم مما أدى إلى شيوع التقليد ، وغياب الوعي واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير .
فلو تمثلت الأمة إسلامها ، واستشرفت ماضيها ، وأبصرت مستقبلها ، لما وقعت فريسة سهلة لسيطرة دول الكفر ، التي لا يرضيها أن يكون للإيمان في الأرض وجود ، لأن وجود جماعة مسلمة في الأرض لا تدين إلا لله ، ولا تحكِّم إلا شريعته ، يهدد سلطانها .
لذا فإنها تفرض المعركة فرضاً على الجماعة المسلمة ، لأن وجود الحق في ذاته يزعجهم ويخيفهم ، مما جعل علاقة الغرب بنا علاقة تسلط واستغلال للثروات ، ولو بدت غير ذلك بسبب التضليل الإعلامي ، إنها علاقة حقد وعدوان ، بشهادة التاريخ والحاضر ، بخلاف واقع الإسلام الذي كان على مدار التاريخ الذي سيطر فيه يتصف بالرحمة والاعتراف بحقوق الآخرين واحترامها ، ويدعوا إلى الحوار على كلمة سواء ، ويعتمد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويتنكر للإكراه في الدين ، لأن الناس كل الناس هم محل الخطاب السماوي ، ولا تُشْرَعُ قوة إلا لحماية الاختيار ، وتحقيق إنسانية الإنسان .
لقد ربى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على مبادئ القرآن والإيمان واليقين ، رباهم ليتسلموا زمام البشرية ويأخذوا بيدها ، حتى تنعم بحياة قوامها العدل والرحمة والسلام والعزة والكرامة .فارتفع الإيمان بتلك القلوب على الفتنة ، وانتصرت العقيدة على الحياة ، فلم ترضخ لتهديد الجبارين كما تحررت من عبوديتها للحياة ، فلم يستلذها حب البقاء ، ولم تعد لذائذ الحياة ومتاعبها ذا قيمة عندها ، لأن القيمة الكبرى في ميزان الله ، هي قيمة العقيدة ، وأن السلعة الرابحة في سوق الله هي سلعة الإيمان ، وأن النصر في أرفع صوره ، هو انتصار العقيدة والإيمان على الفتنة ، يروي التاريخ عن واحد من قادة الفتوح الإسلامية ، الذين اختارهم الحجاج لقيادة جيش المشرق في مرو ، الذي فتح من حدود إيران إلى أواخر تركستان ، والذي دخل الصين ، إنه قتيبة بن مسلم ، الذي خلف الملهب في قيادة الجيش الذي عصفت به الفتن فقام بهم خطيباً يذكرهم بالله ، ويرغبهم في ثوابه ، ويحضهم على الجهاد لإعلاء كلمة الله .
حتى هز نفوسهم ، بكلمات مست جوانب الإيمان في النفوس ، مما زاد الجيش عدداً إلى عدده ، وعُدداً إلى عُدده ، فإذا هو قوي بإيمانه وعقيدته ، ثم توجه بالجيش المؤمن على بركة الله وما هي إلا جولات حتى عجم الأعداء عودة ، وعرفوا أي سهم ماضٍ رماهم به الحجاج ، فأقبلوا يتسابقون إلى الطاعة ، حيث جاءه ملوك الترك وملك بلاد الأفغان مستسلمين بلا قيد أو شرط . وتقدمت جيوشه التي لم تلق معارضةً تذكر ، مما دفع أمم الترك للتحالف على قتيبة ، وقد شددوا الخناق على الجيش الإسلامي ، وقد كان لقتيبة جواسيس في جيش العدو ، الذين أغروا كبيرهم بأن يكون معهم على قتيبة ، وشروه على أن يغشه فجاء قتيبة على إنفراد وقال له : إن العدو كثير ، وإن الحجاج فد عزلك وبعث آخر مكانك وأرى أن تنسحب ، فقال له قتيبة : أما كثرة العدو فكم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين ، وأما عزلي فأنا أقاتل لله لا للحجاج ، وأما أنت فقد خنت ، فلما أعترف ضرب عنقه . وكانت المعركة واشتدت ، مما دفع بجيش الأعداء إلى طلب الصلح ، وكانت المعاهدة ، وما كاد يرجع حتى نقضوا المعاهدة ، فرجع إليهم وهزمهم شرَّ هزيمة ، وتوجه إلى بخارى التي فتحت بعد عناء ، وتابع سيره بالجيش الإسلامي ، حتى بلغ ما لم يبلغه قائد من قبل ، ولم يصل اليه فاتح ، إذ فتح في عام واحد ، خوارزم وسمرقند بعد معارك يشيب لها الولدان ، ثم تابع حتى دخل أول بلاد الصين .
وسأروي لكم أغرب قصةٍ في تاريخ الحروب في العالم ، قصةً لم يقع مثلها ولا أظن أنها ستقع لأمةٍ ، فقد كان من قتيبة في فتح سمرقند شيء من الغدر كما قال الناس ، فلما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ، رفع إليه أهل سمرقند دعوى على الجيش الإسلامي ، يدّعون أن بلدهم فتح غدراً ، فأمر عمر بتأليف محمكة خاصة من قاض فرد لرؤية هذه الدعوى ، والذي جلس في المسجد ، وأحضر المدعين والمدعى عليه القائد العام للجيش الإسلامي ، وسمع أقوالهما ، ثم أصدر حكماً يستطيع القضاء الإسلامي أن يفخر به على كل قضاء في الدنيا ، فقد حكم ببطلان الفتح لأنه كان غدراً ، ولأنه خالف قواعد الإسلام في الحروب ، وحكم بخروج الجيش الإسلامي منها ، وإعطائها مهلةً للاستعداد ثم إعلان الحرب من جديد ، ونُفِذَ هذا الحكم الغريب ، وشرع الجيش بالإنسحاب ، ولكن أهل المدعين الذين أدهشتهم هذه العدالة ، والذين ذاقوا نعمة الحكم الإسلامي ، عادوا يطلبون طوعاً واختيارا أن يبقوا تحت راية الإسلام .
بهذا الإيمان وهذا العدل لا بالسيوف فتح المسلمون العالم ، الذي شهد في صدر الإسلام رجالاً أحسنوا الجمع بين القول والعمل الجليل ، تكلموا فأصابوا ودُعوا فأجابوا ، وعملوا فأتقنوا وجاهدوا فأحسنوا ، وبدون ذلك لن يعود لنا عزنا ومجدنا ، قال تعلى :  والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين  .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *