من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله ، وكل ما هو آت قريب إن ألله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدا ، فتزودوا من دنياكم لما ينفعكم في أخراكم . ألا نعتبر بهذه الجنائز التي نشيعها إلى مثواها الأخير ، فسرعان ما يعود الناس بعد الدفن إلى نشوة الحياة وغفلة المعاش في هذه الدنيا ، إن أعطوا لم يشبعوا ، وان منعوا لم يقنعوا ، يأمرون بما لا يفعلون ، وينهون ولا ينتهون وهم للناس لوامون ولأنفسهم مداهنون . ناسين أن الواثق في هذه الدنيا تفجعه والمطمئن إليها تصرعه ، سلطانها دول لا يبقى على حال وحلوها مر ، وعزيزها مغلوب ، والعمر فيها قصير ، والعظيم فيها يسير وجودها إلى عدم ، وسرورها إلى حزن ، وكثرتها إلى قلة وعافيتها إلى سقم وغناها إلى فقر . دارها مكّارة وأيامها غرّارة ، ولأصحابها بالسوء أمارة . الأحوال فيها إما نعم زائلة وإما بلايا نازلة وإما منايا قاضية . عمارتها خراب واجتماعها فراق وكل ما فوق التراب تراب . أهل الغفلة فيها لا يشبعون مهما جمعوا ولا يحسنون الزاد لما عليه أقدموا يجمعون ولا ينتفعون ويبنون ما لا يسكنون . ويأملون ما لا يدركون :﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ الحجر3. طويل الأمل : يسيء في الاكتساب ويسوف في المتاب حتى يأتي أجله وينقطع عمله ويسلمه أهله ويصبح رهين عمله:﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ﴾ الشعراء 205 . يا أهل الغفلة : لقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (أكثروا من ذكر هادم اللذات) أحمد والترمذي بسند صحيح . كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة ؛ فمن ذكر الموت حق ذكره حاسب نفسه على عمله , لأن القلوب الغافلة ، تحتاج إلى الإكثار من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات قال صلى الله عليه وسلم : (فما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه ، ولا سعة إلا ضيقها) حسن أخرجه ابن حبان والهيثمي وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم على شفير قبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال: (يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) أخرجه أحمد وابن ماجه وسأله عليه الصلاة والسلام رجل فقال : من أكيس الناس يا رسول الله ؟ قال: (أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له ، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة) أخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم ، وقال عليه السلام : (الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) أخرجه أحمد . يقول الحسن رحمه الله: ” إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لبٍّ بها فرحا “. ويقول يونس بن عبيد : ” ما ترك ذكر الموت لنا قرة عين في أهل ولا مال ” .ويقول مطرِّفٌ : ” إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم ، فالتمسوا نعيما لا موت فيه ” . لقد أمِنَ أهل الجنة الموت فطاب لهم عيشهم وأمنوا الأسقام فهنيئا لهم طول مقامهم . فاذكروا الموت والسكرات وحشرجة الروح والزفرات ، فإن من أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث : تعجيل التوبة وقناعة القلب ، ونشاط العبادة . ومن نسي الموت ابتلي بثلاث : تسويف التوبة ، وترك الرضى بالكفاف والتكاسل في العبادة . كفى بالموت للقلوب مقطعا ، وللعيون مبكيا ، وللذات هادما . وللجماعات مفرقا . وللأماني قاطعا . بوقوعه يستبدل الأموات بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا ، وبالأهل غربة وبالنور ظلمة ، اللحود مساكنهم ، والتراب أكفانهم ، لا يجيبون داعيا ولا يسمعون مناديا . كانوا أطول أعمارا وأكثر آثارا ، فما أغناهم ذلك عن لقاء الله فأصبحت بيوتهم قبورا وما جمعوا بورا وصارت أموالهم للوارثين ، وأزواجهم لقوم آخرين . حلَّ بهم ريب المنون وجاءهم ما كانوا يوعدون : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ المؤمنون 115. وإن تذكّره يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويمنع الركون إلى الدنيا ويهون المصائب . فتذكروه لتسلموا من حسرة الفوت . يقول الحسن رحمه الله : ” اتق الله يا بن آدم ، لا يجتمع عليك خصلتان : سكرة الموت وحسرة الفوت ” . فاحذر السكرة والحسرة لأن الموت يحل وأنت على غرة ، فأين الخائف من قلة الزاد ؟ وأين من استعان على دنياه بالعفة والسداد وكفاه في دنياه القليل من الزاد ، وأين من تذكر الموت والبلى فحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ، وأين من أراد الآخرة فترك زينة الحياة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى . ألا فاتقوا الله يرحمكم الله ، فإنكم عند ربكم موقفون وعلى أعمالكم محاسبون وعلى تفريطكم نادمون . توبوا إلى الله قبل أن تموتوا ولا تكونوا ممن يرجون الآخرة بغير عمل ويؤخرون التوبة لطول الأمل . واعتبروا بمن صار تحت التراب وانقطع عن الأهل والأحباب وصار إلى جوار رب الأرباب
