علاج ضعف الإيمان


روى الحاكم والطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فأسالوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) . يعني بذلك أن الإيمان يبلى في القلب كما يبلى الثوب ، وقد تعتري قلب المؤمن في بعض الأحيان سحابة من سحب المعصية فيظلم وهذه الصورة صورها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح : ( ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينا القمر مضيء إذ علته سحابة فاظلم ، إذ تجلت عنه فأضاء ) رواه أبو نعيم في الحلية . فالقمر تأتي عليه أحياناً سحابة تغطي ضوءه وبعد فترةٍ الزمن تزول وتنقشع فيرجع ضوء القمر مرة أخرى ليضيء في السماء وكذلك قلب المؤمن تعتريه أحياناً سحب مظلمة من المعصية ، فتحجب نوره فيبقى الإنسان في ظلمة ووحشة فإذا سعى لزيادة إيمانه واستعان بالله عز وجل انقشعت تلك السحب ، وعاد نور قلبه يضيء كما كان ، وعلى الإنسان أن يعلم قبل تصور علاج ضعف الإيمان معرفة أن الإيمان يزيد وينقص ، وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة ، فإنهم يقولون أن الإيمان نطق باللسان واعتقاد بالجنان- أي القلب -وعمل بالأركان- أي الجوارح- يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان ، وقد دلت على هذا الأدلة من الكتاب والسنة قال تعـالى : ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ وقـولـه :﴿ أيكم زادته هذه إيماناً ﴾ . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) البخاري . روي عن بعض السلف : ” من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما ينقص منه ، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أو ينقص ؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه ؟ ” . ومما ينبغي معرفته أن نقص الإيمان إذا أدى إلى ترك واجب أو فعل محرم فهذا فتور خطير مذموم يجب عليه التوبة إلى الله والشروع في علاج نفسه ، أما إذا لم يؤد الفتور إلى ترك واجب أو فعل محرم وإنما كان تراجعاً في عمل مستحبات مثلاً ، فعلى صاحبه أن يسوس نفسه ويسدد ويقارب حتى يعود إلى نشاطه وقوته في العبادة وهذا مما يستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( لكل عمل شرة – يعني نشاط وقوة – ولكل شرة فترة – يعني ضعف وفتور – فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك ) صحيح رواه أحمد . ويمكن أن يعالج ضعف الإيمان بأمور منها : تدبر القرآن العظيم ولا شك أن فيه علاجاً عظيماً ودواء فعالاً قال تعـالى : ﴿ وننـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ أما طريقة العلاج فهي التفكر والتدبر . وكان عليه الصلاة والسلام يتدبر القرآن وقد بلغ في ذلك مبلغاً عظيماً ، روى ابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن عطارة قال : دخلت أنا وعبيد الله بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال عبيد الله بن عمير : ( حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت : قام ليلة من الليالي – تعني يصلي – فقال : يا عائشة ، ذريني أتعبد لربي ، قالت : قلت : والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت : فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض ، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال : يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ، لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها : ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ﴾ آل عمران 190 . وهذا يدل على وجوب تدبر هذه الآيات وكان الصحابة يقرأون ويتدبرون ويتأثرون وكان أبو بكر إذا صلّى بالناس وقرأ كلام الله لا يتمالك نفسه من البكاء ومرض عمر من أثر تلاوة قول الله تعالى : ﴿ إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع ﴾ وقال عثمان : ” لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله ” . ومن أعظم التدبر أمثال القرآن لأن الله سبحانه وتعالى لما ضرب لنا الأمثال في القرآن ندبنا إلى التفكر والتذكر فقال تعـالى : ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ وقال : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾ . تفكر أحد السلف مرة في مثل من أمثال القرآن فلم يتبين له معناه فجعل يبكي ، فسئل ما يبكيك ؟ فقال: إن الله تعالى يقول : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ العنكبوت 43.
وأنا لم أعقل المثل فلست بعالم فأبكي على ضياع العلم مني
ويلخص ابن القيم رحمه الله ما على المسلم أن يفعله لعلاج قسوة قلبه بالقرآن فيقول : ” ملاك ذلك أمران : أحدهما : أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة ، ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها ، وتدبر وفهم ما يراد منه ، وما نزل لأجله ، وأخذ نصيبك من كل آياته ، وتنـزلها على داء قلبك فإذا نزلت هذه الآية على داء القلب برئ الله” ومنها : استشعار عظمة الله ومعرفة أسمائه وصفاته ، والتدبر فيها والنصوص من الكتاب والسنة في عظمة الله كثيرة إذا تأملها المسلم ارتجف قلبه وتواضعت نفسه للعلي العظيم وخضعت أركانه للسميع العليم وازداد خشوعاً لرب الأولين والآخرين .
ومنها : طلب العلم الشرعي وهو العلم الذي يؤدي تحصيله إلى خشية الله وزيادة الإيمان به عز وجل كما قال الله تعالى : ﴿ إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ﴾ فلا يستوي في الإيمان الذين يعلمون والذين لا يعلمون : ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ . ومنها : لزوم الذكر وهو يؤدي إلى زيادة الإيمان ، وغشيان الرحمة ، ونزول السكينة ، وحف الملائكة للذاكرين وذكر الله لهم في الملأ الأعلى ، ومباهاته بهم الملائكة ، ومغفرته لذنوبهم ، كما جاء في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ) مسلم . قال ابن حجر رحمه الله : ويطلق ذكر الله ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن ، وقراءة الحديث ، ومدارسة العلم .
ففي ذكر الله تعالى جلاء القلوب وشفاؤها ، ودواؤها عند اعتلالها ، وهو روح الأعمال الصالحة وقد أمر الله به فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ ووعد بالفلاح من أكثر منه فقال تعالى : ﴿ واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ﴾ وذكر الله أكبر من كل شيء قال الله تعالى : ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ) رواه الترمذي .
ومنها : الاستكثار من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها ، وهذا من أعظم أسباب العلاج وهو أمر عظيم وأثره في تقوية الإيمان ظاهر كبير ، وقد ضرب أبو بكر الصديق في ذلك مثلاً عظيماً لما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكر أنا ، قال فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر أنا ، قال، فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً ، قال أبو بكر أنا ، قال فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ) رواه مسلم
ومنها : تنويع العبادات ، فمن رحمة الله وحكمته أن العبادات منها ما يكون بالبدن كالصلاة ومنها ما يكون بالمال كالزكاة ومنها ما يكون بهما معاً كالحج ومنها ما هو باللسان كالذكر والدعاء ولعل من الحكمة في ذلك أن لا تمل النفس ويستمر التجدد ، ثم إن النفس ليست متماثلة في انجذابها وإمكاناتها وقد تستلذ بعض النفوس بعبادات أكثر من غيرها ، وسبحان الذي جعل أبواب الجنة على أنواع العبادات كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ) رواه البخاري . والمقصود المكثرون من أصحاب النوافل في كل عبادة أما الفرائض فلا بد من تأديتها للجميع ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو قسوة قلبه فقال له صلى الله عليه وسلم : ( أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ أرحم اليتيم ، وامسح رأسه ، وأطعمه من طعامك ، يلن قلبك وتدرك حاجتك ) رواه الطبراني ومنها : الإكثار من ذكر الموت يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات يعني الموت ) رواه الترمذي . وتذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ولا يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه ومن أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء : ” تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء : تسويف التوبة وترك الرضا بالكفاف ، والتكاسل بالعبادة ” .
ومنها : مناجاة الله والانكسار بين يديه عز وجل ، أعجبني كلاماً جميلاً بلسان الذلة والانكسار للتائب بين يدي الله لابن القيم عندما قال : ” فلله ما أحلى قول القائل في أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك ، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك ، عبيدك سواي كثير ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك أسألك مسألة المساكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه ، وفاضت لك عيناه ، وذل لك قلبه ” فعندما يأتي العبد بمثل هذه الكلمات مناجياً ربه فإن الإيمان يتضاعف في قلبه أضعافاً مضاعفة . وكلما كان العبد أكثر ذلة وخضوعاً كان إلى الله أقرب ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ) مسلم . لأن حال السجود فيه ذلة وخضوع ليست في بقية الهيئات والأوضاع ، اللهم إنا نسألك لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *