علماء الحق وعلماء السوء

إن العلم الشّرعي من أرقى العلوم وأهمها وأعظمها منزلة، ولما كانت منزلة العلماء رفيعة ودرجتهم عند الله عظيمة، حسدهم الحاسدون ، على نعمة العلم ، فزاحموهم في طلب هذا العلم، ليس ليُورّثهم ذلك خشية لله وحبًا له وتعظيمًا، ولكن حبًا للدنيا ، وبحثًا عن المال والشّهرة ذلك الدّاء العضال الذي أهلك النّاس فأصبحوا يتسارعون لنيل شيء منها وإن كان على حساب آخرتهم ، قال الله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) [القيامة: 20]، وقال تعالى: { إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا } الإنسان: 27،
من النّاس من طلب العلم الشرعي للتفقه في الدين ، فحصّل من العلم النّافع الشّيء الكثير ، ولما بدأ في الدّعوة إلى الله اصطدم بواقعٍ مرير ، فتعرض للأذى من النّاس والحكّام، فلم يصبر على الأذى ، وأصبح من الذين يفتون ليرضوا النّاس في سخط الله .
ومن النّاس من حصّل العلم النافع ودعا النّاس إليه ، وصبر على الأذى فيه ، ولكنّه خالط الحكام الظلمه فأصبح من العلماء الفجرة، وقبل أن يبيع نفسه لهم بثمن بخس قال تعالى : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} الأعراف: 176، وقال الإمام ابن الجوزي: ” من تلبيس إبليس على الفقهاء: مخالطتهم الأمراء والسّلاطين، ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك، وربما رخّصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه ، لينالوا من دنياهم عرضًا فيقع بذلك الفساد ” وقد يفتنوا فيطعنوا في العلماء الربانيين النّاصحين فيصفونهم بالخوارج والتكفيريين ، لينفّر النّاس عنهم وتخلو لهم السّاحة فيفتون على حسب هواهم وهوى السلطان .
ومن المهم أن يفرق المسلّم بين علماء الحق وعلماء السّوء ، كي يسلك سبيل المهتدين ، ويحذر سبيل المجرمين، وقد كان هذا الأمر سهلًا في القديم ، يوم كانت الأمّة مسلّحة بالعلم النّافع والعمل الصّالح ، فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (اعرف الحق تعرف أهله)، ولكن في زماننا هذا بعد أن تركت الأمّة العلم الشّرعي وتوجّهت نحو الدّنيا ، وتنافست في طلبها، وأصبح النّاس لا يفرّقون بين الحقّ وأهله ، والباطل وأهله، قال النّبي صلّى الله عليه وسلم: (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ النّاس رؤوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا) رواه البخاري .
من صفات علماء السّوء أنهم لا يتبعون الكتاب والسّنة ، وإجماع سلف الأمّة ، بل يتبعون أهواءهم، ويكتمون العلم، ويلبسون الحق بالباطل، ولا يعملون بعلمهم، ويجعلون غايتهم الدّنيا وجمع الدّينار والدّولار ، فلا يهمهم أمر الأمّة ولا جراحها ولا أحزانها، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } البقرة: 159، قال الإمام السعدي في تفسيره: ” فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم، بأن يبينوا للناس ما منّ الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه، فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين: كتم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، فأولئك (يلعنهم الله) أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته، (ويلعنهم اللاعنون) وهم جميع الخليقة، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فكان الجزاء من جنس عملهم ” . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) رواه أبو داوود ، وقال الله تعالى: { وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } البقرة: 42، فمن لبس الحق بالباطل، فلم يميز هذا من هذا مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه وأمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم، لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم “، قال الفضيل ابن عياض: ” سئل ابن المبارك: مَن الناس؟ قال: العلماء، قيل فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *