قال العلماء : العلم ضروريّ للعبادة لأنها علاقة العبد بالله ، وضروري للمعاملة لأنها علاقة العبد بالخلق ، والإنسان مضطرّ إلى التعلّم ، من أجل أن تصحّ عبادته ، ومن أجل أن تصحّ معاملته ، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله :” من عمل من غير علمٍ فإنه يفسد أكثر مما يصلح ، وأغلبُ الظنّ أنّ الفساد الذي ينتجُ منه ، أضعاف النفع الذي ينفعهُ “. وقال معاذ بن جبل :” العلم إمام العمل ، والعمل تابعه ” وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يصلّي فقال له : ( قمْ فصلّ فإنّك لم تصلّ ) فلماذا قال له : إنّك لم تصلّي ! وهو يصلّي ؟ استنبط العلماء ، أنّ هذه الصلاة لا فقه فيها ، لأنه ما علم أحكامها وما علم أحكام الخشوع فيها ، لأن العلم أساس العبادات ، به يعرف الحلال من الحرام والصحيح من الفاسد ، وهناك أحكام يجبُ أن تُعلم من الدّين بالضرورة ، لأنها فرض عَين على كلّ مسلم ، كأركان الإيمان ، لأن الإيمان روح الأعمال ، والباعث عليها والآمر بأحسنها، والناهي عن أقبحها. ومن الأحكام التي يجب أن تعلم ، أركان الإسلام والأحكام الفقهيّة المتعلّقة بِعمل الإنسان أو مهنته ، لأن العلم دليل العمل ، بل إنّه شرطٌ في صحّة القول والعمل ، فلا يصح العمل إلا به ، يقول الإمام الشافعي : ” إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم “. لأن أصل العلم أن تعرف الله عز وجل ، فقد روي عن الإمام الغزالي قوله : ” حيثما وردَت كلمة العلم في الكتاب والسنة ، فإنّما المقصود بها العلم بالله ” ؛ لأنّك إذا عرفت الله ، عرفت كلّ شيء ، وإن وجدْت الله ، وجدت كلّ شيء وإن لم تجد الله ، لم تجد شيئًا ، وإذا رضي الله عنك ، فهذا كلّ شيء ، وإذا رضي الناس عنك ، فرضاهم لا شيء ، قال تعالى :﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ سورة فاطر2 ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت الأمّة على أن يضرّوك بشيء ، لم يضرّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك. فالتفقُّه في الدين ، هو حصن العامل والخلفية الدينية والقانونية التي ينطلق منها ، والأساس الذي يستند إليه في كافة قراراته وأفعاله، لأن ترك التفقّه في الدين سيؤدي بالعامل إلى أن يكون محكوماً للأهواء ، والتشبه بالآخرين وقد نهى الإمام علي رضي الله عنه ، عن ترك التفقه في الدين فقال : “ليتأسَّ صغيرُكم بكبيركم وليرأف كبيرُكم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية ، لا في الدين يتفقّهون، ولا عن الله يعقلون” نهج البلاغة . ولابدّ من نور العلم الدنيوي ، لأنّ الله عز وجل يرفع به أقوامًا ويذلّ به آخرين ، ولذلك أنكر الإمام الغزالي على أهل بلدة اتَّجَهَ شبابها إلى طلب العلم الشرعي ، وأهملوا ما به قوام الحياة ، فأصبحت أرواح هذه البلدة وعوراتهم بين يدي طبيب غير مسلم .
إن الدين الإسلامي ، ينظم حياة الإنسان في نفسه ، وفي علاقاته مع غيره، وفي عمله وفي كل أحواله، وقد تكفل الإسلام ، بوضع منهج متكامل لها، وجعل الالتزام بهذا المنهج عبادة ، يُثاب عليها إذا خلصت النية لله عز وجل ، لهذا يجب على كل مسلم ، أن يتعلم من علم الدين قدرًا لا يستغني عنه قال تعالى : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ سورة الزمر. وقالَ عليْهِ الصَّلاةُ والسّلامُ : ( مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) رواه البخاري ، وإذا فقِهَ الإنسان في الدين ، صحّ عمله ، قال الإمام الغزالي : ” أدنى درجات الفقيه ، أن يعلمَ أنّ الآخرة خيرٌ من الأولى ” فالذي يصرفُ كلّ وقته للدّنيا ، ما عرف ، وما فقه من الدّين شيئًا ، لأن أدنى درجة من درجات الفقيه ، أن يعلمَ أنّ الآخرة خيرٌ من الأولى وأن يسعى لها بدليل قوله تعالى : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ الإسراء 19، وكما لا يصلح بناء الأمة الإسلامية بغير العلوم الشرعية ، فإنه لا يصلح بنائها بدون العلوم الحياتية ، في مجال التكنولوجيا ، لأن المسلمين يحتاجون إليها في شؤون حياتهم الدنيوية ، وفي مجال الإعداد لمواجهة أعداء الله عز وجل ، في شتى الجوانب وجاءت نصوص الشريعة العامة وقواعدها تدل على وجوب تحصيل المسلمين ما يتقوون به ، ويواجهون به أعداءهم فقال تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾الأنفال60.ولا يمكننا الحصول على القوة ، إذا اعتزلنا تكنولوجيا العصر ، ولم ننتفع بها ويمكن أن يشمل مفهوم الإعداد في الآية إعداد العلم الشرعي ، كما يشمل العلم الدنيوي ،كالطب والاقتصاد والمجال الصناعي والعسكري ، وغير ذلك مما يحقق القوة للمسلمين والأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون ، إلى وجود متخصصين في جميع هذه الجوانب ، لتتكامل الجهود وتتوحد القوى ، لتحقيق التمكين لهذا الدين في الأرض ، وتحقيقه في واقع الحياة، وما عرفَتِ الأمة الإسلامية السيادة والقوة ، إلا وكانت علومها الحياتية قوية ، وما عرفت الضعف والتأخر والتخلف ، إلا وكانت علومها الحياتية ، ضعيفة ومهملة.
لقد اختل فهم كثير من المسلمين ، لمعنى كلمـة العلم النافع ، فصاروا يقصرونها على العلوم الشرعية فقط، مع أن الأدلة متواترة على عكس ذلك ، فقد كان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم التُجَّار والزُرَّاع والصُنَّاع ، وقبلهم أنبياء الله عليهم السلام، كان لكلٍ منهم حرفة وصناعة بجانب مهمته الأساسية، كان آدم حرّاثًا وداود حدادًا، ونوح نجارًا، وإدريس خياطًا وموسى راعيًا، فلم يقعد بهم انشغالهم بالآخرة ، والعمل لها ، وتعليم علومها،عن العمل للدنيا ، وتعميرها ، وتعليم علومها كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، إذا نظر إلى رجلٍ ذي سيما -هيئة حسنة- قال: أله حرفة؟ فإن قيل لا سقط من عينه ثم ماذا يعني قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ )؟! لماذا يغرسها وهي من نفع الدنيا، فضلاً عن أنه لن يستفيد منها دنيويًّا أصلاً؟ لأن الإسلام ، دين يدعو إلى إعمال العقل ، وتحريره من قيود التقليد والجمود والمحاكاة، وأن يطلق له العنان لأداء وظيفته ، وفق ضوابط معينة ، وأطر خاصة ، لذا فإن الذي يُعطِّل عقله عن العمل والتفكير والإبداع، يكون قد خالف المنهج الإسلامي ، مخالفة جسيمة، وأضرّ بنفسه، ثم بأمته .
خلال الحرب العالمية تحالف الألمان واليابان والإيطاليون ضد الغرب ، بما في ذلك أمريكا ، وكانت حرباً قذرة بمعنى الكلمة ، خلت من كل رحمة ، فدكت المدن وأزهقت أرواح أكثر من خمسين مليونا من البشر ، وجاع وتشرد الملايين ونهبت بلاد ومصانع ، وفرضت غرامات وضربت هيروشيما وناكزاكي بقنابل نووية وانتهت الحرب بصورة من الدمار لم تعرفه البشرية من قبل ، وخلال سنوات حصلت مفارقة غريبة ، فقد تقدم المغلوب على الغالب ، وتجاوز المهزوم هزيمته ومن هزمه فما سرُّ ذلك ؟ ما حصل في الحرب أن دُمِّر عالمُ الأشياء ، أما الإنسان وفكره فقد بقي ، فأقام كيانه مجدداً وتخطى من هزمه وكان للدول الاشتراكية مجال السبق في إرسال صواريخ إلى الفضاء ، وتدفقت تكنولوجيات الصناعات المدنية عليها ، مما اقلق أمريكا التي أعادت النظر في مناهج التعليم ، وفتحت أبوابها لهجرة العلماء من كل بقاع الأرض ، ولم تسترح حتى أرسلت صاروخاً إلى الفضاء ، هذا دليل على أن الأفكار هي الضابط لسير المجتمعات والمانع من تراكم الأخطاء ، ألا ترون أن العالم الصناعي اليوم يهتم جداً بإنشاء مراكز البحث ويمدها بكل ما تحتاج ، في الوقت الذي تكاد تنعدم مراكز البحث عندنا فافتقدت شخصية المسلم منهجيتها وعجزت عن معرفة مواطن الخلل ،كما عجز المسلمون عن درء الفتنة عن الأرض والحيلولة دون الفساد الكبير ، لأنها بحاجة إلى بروز قوامه العدل ، وشهادة العدل ، وأمة العدل ، وهذا منوط إلى حد بعيد بوعي الأمة المسلمة لذاتها ورسالتها ، لتصويب طريقتها ، ووعيها بالناس ، الذين كلفت بالشهادة عليهم قال تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ النساء 135 . وإذا كان من خصائص الأمة المسلمة ، الشهادة على الناس ، فإن التخلي عن هذه الشهادة ، إضاعة للحق والعدل والأمن وإيذان بالسقوط . ولأن الشهادة تتطلب معرفة فلا تقبل شهادةٌ من غير معرفة ، وقد تعني شهادة العلم في سياق جعل الأمة الإسلامية شاهدة على الناس ، بأن تكون هذه الأمة قائمةٌ في عقيدتها وفي عملها ، على السعي الدائم للعلم بالحقائق ، وتأسيس الحياة عليها . وكما ذكر الإمام الغزالي : ” بأن ثمة تلازماً قوياً بين علوم الدين وعلوم الدنيا ، فمن تعلَّم علماً واحداً ، فلا يكفي ، ومن تعلَّم علوم الحياة فقط ، فلا نصيب له في الآخرة ومن تعلَّم علوم الدين، وجهل علوم الحياة فإن فهمه للدين سيكون ناقصاً ” . ولا أقصد بالعلم بالدين العلم المتخصص فذلك من نصيب علماء الشريعة ، إنما المقصود قدر مشترك من المعرفة الصحيحة تشتمل على أصول العقائد ، ومتطلبات العبادة الصحيحة ، والأخلاق الإسلامية بعيداً عن التأويلات ، وليس المطلوب علماً نظريا ، لا يكون له في السلوك نصيب فيكون التنظير بواد ، والعمل والفعل بواد آخر قال تعالى :﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾القصص 77.
علوم الدين وعلوم الحياة
