ينبغي أن لا تخرج خطبة الجمعة ، خارج إطار الأحداث التي تعصف بالأمة وليس من المنطق والحكمة ، لا بل ليس من الشرع أن يكون موضوع الخطبة في واد وما تشهده الأمة ، وتعانيه من أحداث في واد آخر ، فما تشهده الأمة من مآسي تصابحنا وتماسينا ، مآسي وفتن ، كلما جاءت فتنةٌ غطّت على التي قبلها نرى بعض شعوب هذه الأمة تتعرض للإبادة والتصفية الجسدية ، تهدم المنازل وتدمر مقدراتها ، حتى يُخَيَلُ للمرء ، أنها حرب إبادة ، ويرتكب البعض القتل والبطش ، ولا يستطيع أحد الإحاطة بتفاصيل ما يجري ، وما ترصده وسائل الإعلام من جرائم وعمليات قتل واعتقال ، ليس سوى جزء يسير عما يجري من قصص دامية ومشاهد تهز المشاعر ، إنها المصائب التي تحل بالمسلمين الذين انفرط عقدهم ، فأصبحوا بلا سلطة تجمعهم ، فاجترأ عليهم الأعداء ، يهددونهم بهدف الاستيلاء على ثرواتهم ومقدراتهم ، وطمس معالم دينهم قال تعالى : ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ . من الناس من يجيد تقليد الصالحات وإتقان أدائها ولكنه محرومٌ من آثارها الطيبة بسبب قسوة قلبه ومن الساسة من يعبد نفسه ، ويتظاهر بعبادة ربه ، وقد يدور حول مآربه ورغباته ، وهو يباشر أعمالاً عامة من وراء أخطاء تدفع ثمنها الأمة ، مثله كأبي جهل الذي كان يستطيع العودة بقومه دون أن يتسبب في هزيمتهم في بدر ، وما كان للمعركة معنى بعد أن نجت القافلة التي جاءوا لاستنقاذها ، لكن حبه للزعامة والظهور قاده وقومه إلى الهلاك .
إن القسوة والظلم ، والفظاظة والكبرياء ، خصال ما وضعت في كفةٍ إلا هوت بها ، وإن الانطلاق من الضوابط في شئون الحكم ، يقود إلى السيطرة والإرهاب تخرس معه الألسنة ، كما أن محاولة تسويغ الواقع ، وإعطائه الصورة التي يرضاها الإسلام ، ما هي إلا محاولةً لاستدراج الدين ، إلى الرضا عن الظلم ، علماً بأنه لا خلاف على أن عقيدة التوحيد أساس الإسلام ، وأن استقرار هذه العقيدة معناه توطد حقوق الإنسان ، من حرية وإخاء ومساواة وأن التوحيد الحق ، يعني أن البشر كافة عبيد الله فإذا تجبر أحدهم ، وحاول فرض نفسه على غيره وجب قمعه ورده إلى مكانه ، ولكن المتجبرين لا ينـزلون عن سلطانهم بسهولة ، ولا يسمحون لأحد أن يزلزل أوضاعهم ، وليتهم عملوا بقول القائل :
وليت من لم يكن بالحق مقتنعا يخلي الطريق فلا يؤذى من اقتنعا
أما علم المتجبر ، أن الحاكم في الإسلام ، أبٌ رحيم قبل أن يكون ذا سلطان مكين ، لكنه لو علم ذلك لكانت ناحية الرحمة في نفسه ، أسبق من ناحية الشدّة والصرامة ، وتجاهل أن الحاكم ، ما كان في نظر الإسلام غير رجل مستأجر لعمل ، إن أحسن فيه أخذ راتبه ، وإلا طرد منه ، ومن كبرى المصائب أن يتحول الحاكم مالكا ، والأمة نفسها هي التي تؤجر أو تطرد .
لقد أرخصت أحوال أمتنا الدم الإسلامي ، فأصبح أهون الدماء المسفوكة ، وإذا تألم أصحاب الغيرة لهذه الأوضاع ، نثرت حوله الإشاعات والتهم .
لقد تمادى بعض الحاكمين في غيهم ، حينما فرضوا وجودهم على أبناء شعوبهم بالقوة، فإما أن يحكموهم ، وإما أن يقتلوهم ، لأنهم رفعوا أكفهم في وجه السوط المسلط على ظهورهم، يريدون أن يكون حكمهم أزلياً مطلقاً، يريدون لشعوبهم أن تكون دمى يحركونها بخيطانهم كما يشاءون فمارسوا في حق شعوبهم أبشع صور الاستعباد والاستبداد، وضللوا بعض العقول فكرياً ونفسياً حتى وصلوا إلى حد تأليه الزعماء ، وتقديس صورهم ، فاستبدوا بحكمهم، وتغافلوا عن واجباتهم وحقوق شعوبهم ، وتهربوا من وعودهم بالإصلاح والتغيير ، فلم تقطف شعوبهم من الوعود إلا قبض الريح، ونسوا أن الكرسي تكليف لا تشريف وما تأسوا بالسلف الصالح ، فهذا عمر بن عبد العزيز قد بويع بالخلافة ، بعد وفاة سليمان بن عبد الملك وهو لها كاره ، فأمر فنودي في الناس بالصلاة فلما اجتمع الناس في المسجد ، قام فيهم خطيباً فحمد الله ثم أثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال : أيها الناس إنني قد ابتليت بهذا الأمر ، على غير رأي مني فيه ، ولا طلب له ، ولا مشورة من المسلمين وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه ” . فصاح الناس صيحة واحدة : قد اخترناك يا أمير المؤمنين ، هنا تتجلى أبهى صور الديمقراطية والشورى ، وتحمل المسؤولية الحقة ، التي تدفع الشعوب الآن ، ثمنها من دمها . وقيل إن سليمان بن عبد الملك ، حج فرأى الخلائق بالموقف ، فقال لعمر: أما ترى هذا الخلق لا يحصي عددهم إلا الله ؟ قال : هؤلاء اليوم رعيتك وهم غداً خصماؤك ، فبكى بكاءً شديداً ورحم الله عمر الفاروق القائل : لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها ، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ فأين ولاة الأمور الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، فكم من بغلة سيحاسبون عليها ؟ بل كم من رقبة بريئة ستحاسبهم يوم القيامة ، وكم من ضحية ستطالب بالقصاص منهم بين يدي الله أم نسوا قول رسولنا صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته . . ) إن من الواجب أن يتحملوا وزر المسؤولية وقد تكون للكرسي الذي أضلهم عواقب وخيمة فيتحول من كرسي الأحلام ، إلى كرسي الإعدام .
إنه لا نجاة لنا من هذه المحن ، ولا مخرج لنا مما نعاني ، إلا بما شرعه الله لذلك من وسائل وأسباب فقد قضى الله في كتبه ، وعلى لسان رسله ، أن يكون أولها تطبيق منهج الله ، والتوبة والرجوع إلي الله سبحانه ، وليست التوبة كلمةٌ تقال ، بل هي الإقلاع عن جميع الذنوب والآثام ، والاستغفار منها والتصميم على السير قدماً في سبيل الصلاح والإصلاح وإعداد الأمة ما استطاعوا روحياً وماديا ، مقبلين بصدق وإخلاص ، على ما آتانا الله من كتاب وحكمة ، فنحل حلاله ، ونحرِّم حرامه ونهتدي بهديه ، ونعمل بشريعته ثم بعد ذلك ننتظر المعونة والتأييد من الله : ﴿ ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ﴾ .
