عناية الإسلام بالبيئة

إن البيئة في نظر الإسلام نعمة من الله ، وقد نص القرآن في الحديث عن البيئة ، على أنها نعمة قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ لقمان 20 ولفظة نعمة تحمل معنى التنعم والرفاهية، التي ينبغي المحافظة عليها ، كما تحمل معنى المنحة التي يجب شكرها باستخدامها فيما خلقت له، حتى تبقى وتزيد وتعاليم الإسلام لا تقف عند حد العموميات والمبادئ العامة كعدم الإسراف ، وعدم الإفساد ومن يطلع على النصوص الشرعية، ويتتبع أقوال العلماء ومواقف حكام المسلمين الذين التزموا فعلاً بالشريعة، يخرج بنتيجة لا خلاف حولها وهي أن توفير بيئية جيدة، تعد إحدى المهام الكبرى للدولة في الإسلام تستوي في ذلك البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية ،لأن البيئة إن فسدت ، فسدت صحتنا، وإن صلحت قويت أجسامنا ، وهناك توجيهات دينية ، لو طبقت لكنا في حال غير هذا الحال، والقاعدة الفقهية ” لا ضرر ولا ضرا ” تحرم الضرر ، والضرار: أن تُتْبع الضرر بضرر آخر كتلوث الهواء والماء والتربة ، ونقص الغذاء وانتشار الأمراض وانقراض النبات والحيوان وتغير المناخ ،وتأثر طبقة الأوزون نتيجة ممارسات سلبية ذات ظواهر طبيعية وكيماوية تمس الحياة البحرية، والحياة الجوية والنباتية، والاجتماعية، هذه الظواهر، يفسرها العلماء بتغير البيئة ، والذي يغيرها هو الإنسان، بدليل قوله تعالى : ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ النساء 119 ، أراد الله للبيئة أن تكون نظيفة، لكن الإنسان بطموحه الدنيوي والمادي ،لوث البيئة وأفسدها ، ففي الوضع الطبيعي ينبغي أن تكون البيئة نظيفة والهواء نظيف والماء نظيف والمزروعات ، بلا مواد كيماوية ولا مواد مسرطنة ولا هرمونات وللإسلام في يوم البيئة العالمي نظر وتوجيه قال تعالى﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ وقد اهتم الإسلام بالبيئة الاجتماعية ،فنرى شعوب الأمة الإسلامية تعاني من بعد عن معالم الإسلام وضعف في تطبيقه مع انقلاب في فهم كثير من معانيه العلمية والعملية في جميع نواحي الحياة ، مع هزيمة نفسية وتبعية لأعداء الإسلام ، صاحب ذلك الرضى بحياة الذل والهوان ،هذه البيئة ، إما أن تشدك إلى الله وتزداد بصحبتها إيماناً وقرباً من الله, وإما أن تشدك إلى النار فتزداد بصحبتها ضلالاً وبعداً عن الله ، والإنسان العاقل يختار أصحابه, وأصدقاءه فقال تعالى : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ولأهمية هذا الموضوع فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في اختيار من يجالسهم ويصاحبهم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ الكهف 28 ، هناك بيئة تنتج الشر والضر، وتروج له وتبرر موقفه ومسيرته، وتتستر عليه، بل وتحميه أحيانا ، وهناك بيئة نفعية لفئةٍ شريرة ، آثرت حظوظ نفسها على حظ الآخرين وتعمل على ترويض المجتمع والمؤسسات لاستساغة الفساد والصمت عليه، وتجعل من الفاسدين أقلية، صوتها أعلى من الجميع ، لتوقف عجلة الحياة وتطمس بريق الأمل، وتمسخ الإرادة التي لا ترغب في التحرر من قيود الفشل ، إنها بيئة أشد من خطر الفاسدين أنفسهم، لأن الفاسد يذهب وإن طال عهده أما بيئة الفساد فباقية تنتج ألف فاسد غيره ، ومن أهم مظاهر البيئة الفاسدة ،الانفلات من حدود القوانين والنظم، وحدود القيم والدين ، وهذا الانفلات يورث المحسوبية والامتيازات الخاصة، ويولد في المجتمع نخبة ملوثة ، هذه النخبة ، أخبث مكون في البيئة الفاسدة، لأنها تملك زمام القيادة، وتستحوذ على رأس المال، وقنوات الفكر والإعلام والتوجيه، وهي لا تتقن سوى الصراع على السلطة واللذة والمتعة، ولا يتحد أفرادها إلا من أجل الحفاظ على ديمومة بيئتهم النتنة ، والإنسان في هذه البيئة الفاسدة، يستمرئ الباطل وينفر من الحق ، يعشق الظلام ويكره النور ،يقول محمد الغزالي: في كتابه عقيدة المسلم “والبيئة الفاسدة خطر شديد على الفطرة، فهي تمسخها وتشرد بها وتخلف فيها من العلل ما يجعلها تعاف العذب، وتستسيغ الفج وذلك سر انصراف فريق من الناس عن الإيمان والصلاح وقبولهم الكفر والشرك، مع منافاة ذلك، لمنطق العقل وضرورات الفكر، وأصل الخلقة” وفي البيئة الفاسدة تروج مصطلحات الإلحاد والفوضى الجنسية ، والإدمان والرشوة والطائفية والعنصرية وغيرها مما حوته قواميس العفن الفكري والسلوكي، وصراع البيئة الفاسدة مع أهل الحق والطهر صراع أزلي، بحيث يكون أهل الإنصاف كالنبتة الطيبة ، لكنها نشاز وسط غابات الحنظل لذلك تتعالى الأصوات الغوغائية بالإقصاء والاستئصال، كما في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ إبراهيم 13فهذا توعد من الكفار للرسل بالإخراج من أرضهم ، والنفي من بين أظهرهم ، إن لم يتركوا ما جاءوا به من نور الوحي وهداية السماء ، لقد أدرك الإنسان أخيراً أن البيئة من أعز ما يملك في هذه الحياة، أدرك ذلك عندما أذاقه الله تعالى جزاء بعض ما اقترفه حيال البيئة من انحرافات واعتداءات ومن يطلع على ما يحدثه التدهور البيئي من آثار سلبية، تدمر الصحة والحياة وتتسبب في إزهاق أرواح الملايين، كما تحدث نهباً واستنزافاً للأموال، وتدميراً للعقول والأفكار، وبالتالي فإن الإفساد في الأرض ، يشتمل على كل اعتداء على البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية لا فرق في ذلك بين تلوث المياه والهواء وتلوث الأفكار والقيم ، بل إنه في الثانية أشد خطراً ، لأن محل التلوث في البيئة الطبيعية هو الأموال ، لكن محل التلوث في البيئة الاجتماعية ، هو الإنسان لذا فإن تلوث الإنسان أخطر بكثير من تلوث الأموال ، لأن الإنسان غير الملوث فكرياً وأخلاقياً، يحافظ على الأموال بعيدة عن التلوث، أما الأموال فلا تحافظ على الإنسان ، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الروم

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *