عوائق الدعوة الإسلامية عن قيادة الأمم

قال تعالى : ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ الأحزاب18 وعوائق الدعوة : هي الشواغل والصوارف والمثبطات التي تحول دون تحقيق الهدف الدعوي .
وحتى تتصدر الدعوة الإسلامية مراكز القيادة والتوجيه في العالم ، فإن نجاحها متوقف على استقامتها على المنهج الصحيح، وذلك يتحقق بالهداية إلى الصراط المستقيم، الذي شرع الله لنا أن ندعوه دائماً أن يهدينا إليه ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾الفاتحة6، وكان صلى الله عليه وسلم عندما يقوم من الليل يسأل ربه الهداية قائلاً: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) وجاء الأمر باتباع الصراط المستقيم وعدم الميل عنه قال تعالى :﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام 153، والاستقامة على الطريق أمر في غاية المشقة والصعوبة؛ لأن النفس الأمارة بالسوء، والدنيا المليئة بالمغريات، وشياطين الجن والإنس الذين ينفذون خطط أعداء الإسلام ، الذين يحاولون أن يَحِْرفوا مسيرة الدعاة العاملين ، عن الدرب القويم ولذلك كانت أشق آية أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن عباس هي: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ هود 112. وطرق الباطل التي تواجه الدعاة لا تعد ولا تحصى ، وقد خط الرسول صلى الله عليه وسلم في الرمل خطاً وخط عن يمين ذلك الخط وشماله خطوطاً، ثم أشار إلى ذلك الخط المستقيم وقال: (هذا صراط الله مستقيماً)، وأشار إلى تلك الخطوط المنحرفة ذات اليمين وذات الشمال وقال: (هذه السبل على كل سبيل فيها شيطان يدعو إليه)، ووصف هذا بمثال آخر فقال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور ملقاة، وداع يدعو من فوق الصراط يقول: أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط ، كلما أراد أحدهم أن يفتح باباً من تلك الأبواب يقول: ويحك لا تفتحه؛ إنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام، والأبواب محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من جوف الصراط ، واعظ الله في قلب كل مسلم ) ، فانحراف مسيرة الدعاة ، يكون إما من جهلٍ للصراط المستقيم وعدم العلم به ، وهذا هو الضلال، ومن هنا أُتي النصارى الذين سماهم الله بالضالين؛ إذ عبدوا الله على جهل، وإما أن يأتي من عدم الاستقامة عليه ، واتباعه مع العلم به، وهذا حال اليهود الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه ، ولذلك سماهم الله بالمغضوب عليهم وأما حال الذين أنعم الله عليهم ، بمعرفة الحق واتباعه،الذي فصلته الفاتحة :﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾الفاتحة6-7 . هي معرفةٌ واضحة المعالم ، ونعمة من نعم الله التي ينبغي أن تسلكها المسيرة الدعوية ، وهي محصورة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي) ، وقد حفظهما الله من التغيير والتبديل والضياع فقال تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾الحجر9 والصراط المستقيم ، له أتباع ظاهرين على الحق ، أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم إلى أن يأتي أمر الله وهم كذلك) وتعاليمه محفوظة في الكتب وفي الصدور، وهو متمثل في رجال وجماعات مؤمنة في أنحاء متفرقة في العالم ، ظاهرة على الحق ، تجاهد أعداء الله ، وتصبر على الفتن والأذى في سبيل الله ، وسيهديهم الله سبل الخير ويثبتهم على الصراط المستقيم ، ويكون لهم ناصراً ومؤيدا قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ العنكبوت69. هذه الجماعات لا تتنازل عن شيء من الإسلام وتعتبر أي تنازل انحرافاً عن الصراط المستقيم وهو الإسلام، لأن الإسلام دين الله الذي أنزله ليحكم بين عباده، وليهيمن على حياة البشر في كل شأن من شئونهم: في الحكم، والتشريع، والتربية والتعليم ، والإعلام، والاقتصاد، والعلاقات بين الأفراد وبين المسلمين وغيرهم من الأمم . أما من يريدون من دعاة الإسلام أن يقصروا جهودهم على أجزاء من الإسلام كالعبادات والأمور الأخلاقية، ويرفضون أن يمتد الإسلام ليهيمن هيمنة كاملة على الأفراد والمجتمعات ويرضون بصفقة تعطيهم الحق في دعوة الناس إلى شيء من دينهم، والسكوت عن أشياء كثيرة قد ينسوها مع مرور الزمن ، فتنحرف المسيرة الإسلامية ، ولذلك حذرنا الله سبحانه من هذا المنهج، وسمى الذين لا يريدون هيمنة الإسلام على الحياة بالظالمين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس معهم ، عندما عارضوا منهج الله تعالى وجلبوا للناس الدمار والخراب الذي يحل بالظالمين، ولذلك حذر الله دعاة الإسلام من الركون إلى الظالمين فقال تعالى : ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ﴾ هود 113 . في تفسير هذه الآية قال صاحب الظلال :” لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا ، من الجبارين والطغاة الظالمين ، أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم، ويعبّدونهم لغير الله من العبيد، لا تركنوا إليهم؛ فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر ، الذي يزاولونه، ومشاركتهم في إثم ذلك المنكر الكبير “. هناك رجال من الدعاة ، لا يتنازلون عن شيء من دعوتهم، لا بالترغيب ولا بالترهيب ، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عرضت عليه قريش المال والنساء والملك؛ كي يخفف من دعوته، ويتخلى عن شيء من مبادئه ، وهددته بالقتل والإخراج من الأرض ، رجالٌ لا يقبلون الحلول الوسط من أصحاب السلطان ، اقتداءً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ، عرضت عليه قريش ، أن يعبد آلهتهم يوماً ، ويعبدوا إلهه يوماً، رجالٌ يرفضون من الذين كفروا بالله ورسوله ، طلب أي تعديل على منهج الدعاة وأسلوبهم ، لأنهم آمنوا بقوله تعالى :﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ الكهف 28. كما لا يقبلون التسليم في جزء من منهج الدعاة ولو كان يسيراً، كما هو حال بعض الجماعات الدعوية ، لأن أصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، لذلك لا يتنازل الدعاة عن أي جزء من الدين ، آملين أن يمتن الله عليهم ويثبتهم ،كما امتن الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ثبته على ما أوحى إليه ، وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه من الركون إليهم ولو قليلاً، ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي العذاب في الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير قال تعالى : ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ الإسراء 73-75 .لقد وقع في هذه الفتنة رجال كانوا يتصدرون العمل الإسلامي، أغرى بعضهم ، الترغيبُ والمغنم وبعضهم أخافه الترهيب ، فأصبحوا طبولاً جوفاء تسبح بحمد الظالمين ، ومنهم من يبدو من فلتات لسانهم ، الركون إلى الذين ظلموا، في حديثهم اللين مع الظالمين ، ومن الدعاة ، من يعملون جاهدين ، ما كان لله وحده ، وابتغي به وجهه ولم يخالطه طلب ظهور أو شهرة ، وينهضون بواجب الدعوة الضخم ، ويدعمون الحق الذي شرّفهم الله به ، ولا يحزنون على شيء فاتهم من حظوظ الدنيا ، لأنهم آمنوا للعمل لإحقاق الحق وأن لا تنحرف المسيرة ، مع من يدعو إلى الشكل قبل الموضوع ، وإلى النافلة قبل الفريضة قال تعالى : ﴿ فمن آمن وأصلح فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ﴾ الأنعام 48 ، اللهم كن لهم ناصراً ومعينا .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *