عوائق النهضة الإسلامية


إنَّ قضيَّة النَّهضة، هي قضيَّة الضَّرورة في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ وقضيَّة التَّغيير والتَّحديث، إنها قضية كيفيَّة دخول الأُمَّة إلى مدار العصر ورحاب الحضارة الحديثة، وتحولها مِن مُستهلكٍ وتابعٍ، إلى مُنتجٍ ومشاركٍ في صياغة وصناعة الحضارة والثَّقافة أي تحولها مِن مجتمعٍ مُتخلِّفٍ إلى مُجتمعٍ مُتقدِّمٍ.
النهضة مبدأ أساسي نعيش ونعمل من أجله فالرسول g نجح ومعه الصحابة الكرام بالنهوض بمجتمع جاهلي ، وبشبه الجزيرة العربية وبالعالم أجمع فكانت نهضة ناجحة قابلة للمحاكاة والتكرار ونحن اليوم بأيماننا بالله وثقتنا به ، وبإيماننا بأنفسنا وبمقدراتنا ، وبالعمل الجاد ، ستنهض أمتنا وترتقي بين الأمم فليبدأ كل شخص بنفسه وليرتقي وينهض بها من الداخل ، ثم ليتحرك ويعمل ، بشرط مراعاة الأساس الصحيح الذي يصلح للنهضة وذلك بالاستناد على الفكر الذي يوحد المفاهيم ، التي تؤثر في السلوك الذي يعبر عن النهضة ، فإن كان راقياً دل على النهضة وإن كان منخفضاً دل على الانحطاط وبإذن الله ستنهض هذه الأمة ، وتعود إلى سابق مجدها ، تصدر للعالم العِلم والتطور والنور فقد تمكن المسلمون من بناء “الحضارة الإسلامية” بجدارة وباعتراف الأعداء قبل الأصدقاء، وكانت لهذه الحضارة الفضل الكبير في نهوض الحضارة الغربية الحديثة.
لكن هذا المجد ما لبث أن انهار ، وانطفأت أنواره وغابت أدواره وضعفت عزيمته ، فلماذا ؟ وما السبب؟ لقد انشغل المسلمون في الخلافات الفرعية والمجادلات النظرية‏ ‏ ونسوا أنه لا يجوز أن يرتفع صوت يشغل الناس عن المعركة المصيرية التي تتصل بوجودهم ، فقد اختلفوا في الفروع وغفلوا عن القضية الكبرى , وهي التخلف في المجال الصناعي والحضاري بدل التوجه للعمل والإنتاج ، والتخطيط المستمر لتضليل العقول وتوهين العقائد وتخريب الأخلاق ، حتى تأخر المسلمون في ميادين لا حصر لها, مما أدى إلى الفقر الظاهر ، والتفاوت بين الطبقات ، رغم ما يمتلكون من ثروات ، وبدل السعي لعلاج الفقر والإعداد المعنوي والمادي ، وتجميع الأمة لتواجه مستقبلها, وتكوين رأي عام يوقظ الهمم ويوحد الصفوف, فقد شغلوا بأمور أخري من فقه المذاهب أو من هوى الأتباع , وجهلوا أن الدين لا ينهض بالأمة بتبادل معلوماته بين الألسنة والأسماع, أو استيعاب أحكامه في الذاكرة الجيدة, أو الأداء الصوري لعباداته المقررة, فهذا التناول للدين والوقوف بالإصلاح المنشود عند حد الكلام وإطلاق المقترحات غير العملية ، قليل النفع ، ولو أن كل امرئ انتقل من الكلام إلي العمل المنتج ، لاستطعنا حل أعقد المشاكل ، ولو أن كل واحد انصرف إلي عمله يتقنه ، والي واجبه المنوط به يجيده ، لكان ذلك أفيد للإنتاج وأزكي عند الله.
لذا قام أعداء الأمة بنسج خيوط تلهي الدعاة عن دعواهم وللأسف قد حققوا النصر, وأصبح مجال الدعوة مفتوح لكل من هب ودب “إن الإسلام يراد هدمه باسم الإسلام” والقائم بهذه المهمة شيوخ أو شباب لا هم من أهل الذكر ولا هم من أهل الفكر…” مما يدل على أن الخلل الواقع في طريق نهضة المسلمين ديني وأن الفلاح والصلاح والخروج من هذه الأزمة -التي كبلت الأمة الإسلامية في سجن التخلف –ما هو إلا الرجوع إلى الدين الحنيف والعمل بما جاء به ، بعيداً عن الشوائب التي اختلطت بالإسلام ، وجعلت بعض الناس يعتقدون أن الدين الإسلامي دين انحراف، علماً بأن الدين اطهر مما يقولون ، ولذلك وجب على المسلمين أن يحرصوا عليه ، ويترفعوا به عما يضره، وذلك ببناء وتخريج علماء أكفاء لحماية وحمل هذه الأمانة، وإيصالها لأهلها وتعريفهم بها، ومحاربة الفراغ الروحي والغزو الثقافي بفهم الدين بطريقة صحيحة ، والإحاطة بالحضارة الجديدة ومنجزاتها وما وصلت إليه من تطور لاسيما التكنولوجي، ومحاولة الاستفادة من هذه الخبرات لخدمة الدين والمجتمع، وأخذ ما هو صالح لهذه الأمة لأجل تمكينها من اللحاق بالأمم الأخرى والتخلص من التبعية.
ولابد أن يخرج مفهوم الإسلام من العبادات وحدها إلى العبادات والمعاملات ، وأن تتحول العقائد إلى سلوكيات وقيم ، تظهر في يوميات الناس ، لأن الغاية من تطبيق شرع الله ، استنقاذ الناس من ظلمات الفوضى والجهالة والفساد والاستبداد وخواء الروح، والله يقول لنبيه محمد صلى اللع عليه وسلم : ﴿ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ . إن كل مخلص من أبناء هذه الأمة يتحرق قلبه ألما، ويحترق فؤاده غيرة، بسبب ما تمر به الأمة اليوم من ضعف مادي وخواء فكري وتكالب من الأمم عليها ، من خلال انتهاك حرماتها، والاستهانة بدمائها واحتلال أراضيها، ونهب خيراتها، وقد انشغل المسلمون عن هذا الوضع الأليم بحياتهم ، فأضاعوا الدنيا والدين، فلم يفلحوا في إجادة أي منهما، ومن يرى الحياة من خلال واقعه ، وليس من خلال أمانيه ، يدرك أننا فقدنا لأهم القيم التي تحافظ على عزة الإنسان وكرامة أمته- والتي على رأسها: دين الله وشرعه الذي ينشئ الإنسان نشأة عزيزة كريمة، فالعاطفة الإسلامية والإيمان وإن كان موجودًا عند الأمة، وعند الأفراد ، إلا أنهم ابتعدوا كثيرًا عن مقتضيات هذا الإيمان، وعن تنميته، وتربيته الشخصية الذاتية فكان من أخطر ما يهدد وجود هذه الأمة ، هو تخليها عن فكرها المنبثق من عقيدتها ، وعن قيم الأخلاق، والصمود، والوقوف أمام المخططات المناهضة للإسلام بإيمان راسخ، وعزيمة صلبة، وإرادة قوية ، وإعداد الفرد المسلم لتجاوز الهزيمة والنهوض بالأمة ، وإذا كان ذلك يحتاج إلى جهود جبارة، وهمم عالية؛ فإنه يحتاج قبل ذلك إلى إعداد النفس وتهيئتها لهذه المهمة العظيمة ، فقد أنزل الله الكتاب والميزان ، ليقوم الناس بالقسط ، وقد أنزل الأسباب التي تحقق نصره، والمخرج من هذا الواقع المرير ، الذي نعيشه ، يكون بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه وسلم ، علمًا وعملاً وفهمًا وتطبيقًا وقد حدد هذا المخرج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي ) . وكذلك التمسك بحبل الله المتين، والسير على صراطه لمستقيم، والاجتماع على محكمات الدين التي عناها الله في قوله : ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ﴾ آل عمران 7 ، فهذه المحكمات هي سبب نجاة الأمة ، التي صارَ الإسلامُ عند كثيرٍ مِن أبناءها شعارًا مُحدِّدًا للهُويَّة فقط؛ تمييزًا بين المسلم وغيره، ولم يَعُدْ له من حقيقته إلاَّ اسمُه، ولا مِن مقاصد نزوله إلا رَسمُه فانتُهكتِ الحُرُمات وهم ينظرون، وسُبيتِ النساء وهم لا يشعرون، وهُتِكتِ الأعراض وهم في غَفْلة سامدون.
ظَفِرَتْ بِنَا الأَعْدَاءُ يَوْمَ وَدَاعِكُمْ فَدِمَاؤُنَا فَوْقَ الدِّمَاءِ تُرَاقُ
هُتِكَ السِّتَارُ وَقُطِّعَتْ أَوْصَالُنَا وَنِسَاؤُنَا نَحْوَ الْهَوَانِ تُسَاقُ
أَوَ هَكَذَا يَنْسَى الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ بِحُطَامِ دُنْيِا مَا لَهَا مِيثَاقُ
ورغم ذلك فالخير موجودٌ في امتنا ، مهما اشتدّ عليها الخطبُ وطاف عليها طائف الفساد، إنها كالمطر، الخيرُ فيها لا يزول، ولا تزال تَلِد البدائلَ والعُدول ، روى النسائي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أمتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره ) وهذا التشبيه له واقع متجدد نراه ونسمعه ونعيشه، وهو أن خيرية هذه الأمة لا تنفصل عنها ولا تنعدم، وهذا الأمر يرجع لكون عقيدة هذه الأمة ، هي الدافع المحرك ، بغض النظر عن أي اعتبار آخر قوةً كان أم ضعفاً . لقد تميزت هذه الأمة عن غيرها من الأمم بعقيدتها الدافعة التي منحتها القدرة على التغيير ، وكانت القوة التي لا تقهر لا من قبل حاكم ولا من نظام مستبد، وإن الجور الذي عانته منذ سقوط دولة الخلافة ما هو إلا مرحلة في سيرها نحو النهضة الفكرية المنشودة، فالمهر غال والعروس الجنة، وإن مرحلة الاستعمار والاستقلال وما نتج عنهما من الدمار والخراب لم يزد الأمة إلا صلابة وتمسكاً بعقيدتها لبناء دولتها، بعكس الأمم الأخرى التي سرعان ما كفرت وتنكرت لمبادئها وعقيدتها بين عشية وضحاها وأصبحت أثراً بعد عين . لقد ابتليت الأمة بأزمات كثـيرة على طول تاريخها، مروراً بأزمة الردة الطاحنة، والهجمات التترية الغاشمة، والحـروب الصليبية الطاحنة، لكن الأمة مع كل هذه الأزمـات والمآزق كانت تمتلك مقومات النصر من إيمان صادق، وثقة مطلقة في الله واعتزاز بهذا الدين، فكتب الله لها جل وعلا النصرة والعزة والتمكين، ولكن واقع الأمة المعاصر واقـع مر أليم فقدت فيه الأمة جل مقومات النصر بعد أن انحرفت الأمة عن منهج رب العالمين وعن سبيل سيد المرسلين ، انحرفت الأمة في الجانب العقدي، والجانب التعبدي، والجانب التشريعي والجانب الأخلاقي، والجانب الفكري، بل وحتى في الجانب الروحي، وما تحياه الأمة الآن من واقع أليم وقـع وفق سنن ربانية لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي هذه السنن أحداً من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات تستدعي المحاباة، بل ولن تعود الأمة إلى عزها ومجدها إلا وفق هذه السنن التي لا يجدي معها تعجل الأذكياء ولا هم الأصفياء قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *