في كتاب الله بيان للسنن الكونية والقوانين الربانية التي تبين عوامل ولادة الأمم أو الدول ، وسيرها في طريق القوة والنضوج ، وعوامل هلاكها واندثارها بعد القوة وبعد النضوج وفي كتاب الله من السنن الربانية ما يبين مصير الأمم التي قد خلت من قبل ، وفيه ما يبين مصير الناس والأمم التي ستأتي من بعد ، ولكن قليلون هم الذين يتدبرون كتاب الله ليقفوا منه على هذه السنن وعلى هذه القوانين الربانية التي يأخذ الله عز وجل بها عباده أشخاصاً ودولاً وأمماً ، وجولة في ضمير الزمان وأبعاد التاريخ ، يرينا القرآن طرفاً من سنة الله الجارية التي لا تتخلف ولا تحيد قال تعالى :{ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } الروم 9 .
في الآية دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين الذين مضت فيهم سنة الله ، ولم تنفعهم قوتهم ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم ولقوا ما يستحقون من جزاء . وقد جسد الله لنا سننه هذه في قصة رجل جعل منه وسيلة إيضاح وبيان لذلك ألا وهو : قارون فقد قص الله علينا قصته لنعلم كيف يسوس الأشخاص ويتعامل معهم ، وكيف أن هذا القانون ذاته هو القانون الذي يسوس على أساسه الدول والأمم والجماعات قال تعالى :{ إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } لما طلب موسى من قارون زكاة ماله رفض قارون ودبر له فضيحة ليصرف الناس عنه ، فقد أغرى امرأة بغيا فأعطاها طستاً مليئاً بالذهب على أن تدّعي على موسى وتتهمه وعندما جاء موسى عليه السلام ليخطب بالناس ويبين لهم الأحكام فقال : من يسرق نقطع يده ، ومن يزني نجلده إن كان غير محصن ، ونرجمه إن كان محصنا ، فقام له قارون وقال : فإن كنت أنت يا موسى ؟ فقال وإن كنت أنا ، وهنا قامت المرأة البغي وقالت : هو راودني عن نفسي ، فقال لها والذي فلق البحر لتقولِن الصدق ، فارتعدت واعترفت بما دبره قارون فانفضح أمره وبدأت العداوة بينه وبين موسى عليه السلام وبدأ قارون في البغي والطغيان حتى أخذه الله ، تلك هي هويته : البغي والبغي : هو أشد أنواع الظلم ، وإذا اجتمع الظلم مع الاستكبار فذلك هو البغي فبغى عليهم ومع ذلك يقول الله :{ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ } . قارون بغى وطغى فلماذا أعطاه الله كل هذه الكنوز ؟ ولماذا مده بمزيد من القوة وبمزيد من العطاء ؟ سؤال يطرحه الإنسان ، والجواب كما هي السنن الإلهية في كتاب الله :{ فذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ َوأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} القلم 44 . هذه الآية هي التي تتضمن الجواب عن هذا السؤال : { فَبَغَى عَلَيْهِمْ } ثم يقول:{وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } ينبغي أن نقف أمام هذه السنة الربانية ، إن العبد إذا طغى وبغى فإن الشأن في معاملة رب العالمين له أن يمده بالعطاء ، وأن يزيده رفعة وأن يزيده علواً ، وأن يبسط أمامه الطريق لمزيد من الاستكبار ولمزيد من العتو وليس من عادة رب العالمين أن يهلك هذا الإنسان الطاغية الباغي إلا بعد أن يصل إلى القمة من تعاليه واستكباره ، هكذا تقول السنن الربانية ، لماذا ؟ ذلك لأن أحداً من الناس ، إذا وقع لا يقع على الإنسان الذي يعيش حياة الفقر والمهانة وحتى يتحقق معنى الوقوع فإن الله يرفعه ثم يرفعه ثم يرفعه حتى إذا وصل إلى القمة عندئذ يدفعه إلى الهاوية ، وصدق الله القائل: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } . من أجل هذا بسط الله لقارون وأمده بمزيد من القوة وبمزيد من العطاء ، وهذه السنة التي تصدق على قارون تصدق على الجماعات وتصدق على الدول وعلى الأمم أيضاً ، ثم ماذا كان من عاقبة ذلك أرسل الله عز وجل إليه الناصحين ، أرسل إليه المذكرين المنذرين ، قال له قومه : لا تفرح { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ، وَابْتَغِ فِي ما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا } القصص 76 . لا تنسَ إذ تخرج من هذه الدنيا ما الذي تحمله معك ، اذكر ذلك : { وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } القصص77 . فالفساد سبب من أسباب انهيار الأمم ، فإذا تكبرت وطغت وانتشر فيها الفساد عاجلها الله بالعقوبة قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ }الفجر 6 . ماذا عملوا وما صنعوا ؟ : { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ }الفجر 11. فكانت النتيجة : { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } الفجر 14. فما هو الفساد والطغيان؟ إنه المصنع الذي يصنع فيه الإرهاب ، فكلما وُجد الفساد أًثمر الإرهاب ، وكلما غاب الفساد لابد أن يغيب الإرهاب الذي يتحدث عنه البغاة والطغاة اليوم قال الله لقارون : { وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ } . لم ينهه عن الإرهاب إنما نهاه عن ينبوع الإرهاب ، عن المعمل الذي يُصَنَّع فيه الإرهاب ، وكلمة الفساد : هي الكلمة الربانية الدقيقة المتكررة في كتاب الله ، إنها كلمة تعني : الظلم والطغيان والبغي والاستكبار والاغتصاب ، بل إن كل ما يتعارض ويتناقض مع العدالة فهو جزء لايتجزأ من معنى الفساد ، وإذا استشرى الفساد فانتظروا أن تظهر مظاهر الإرهاب هنا وهناك ، وإذا شعر الناس أنهم ضحايا للفساد والاغتصاب ، وأن حقوقهم بدأت تنتقص أو تستلب ، وأنهم أصبحوا من المستضعفين في الأرض عندها تتفجر عوامل المقاومة لهذا الفساد ، ومن أجل هذا أرسل الله عز وجل إلى قارون من يقول له :{ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } القصص 77. ولم يؤثر هذا النصح في قارون الطاغية ، وقارون نموذج لطغاة كثيرين مروا في هذه الدنيا ولا يزالون يمرون :{ قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي }. لسان حاله لا ينصحني ناصح ولا يذكرني مذكر إنما نلت هذا الذي نلته بعرق جبينـي وبالعلم وبالقدرات الحضارية ، وقد جاء هذا البيان الإلهي وكأنه ثوب فصل على قدر واقع الطغاة في كل عصر ، وفي كل زمان ومكان؟ التباهي بالعلم، التباهي بالتقدم التقني . ويأتي الجواب الرباني ليقول له ولأمثاله إلى قيام الساعة :
{ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} القصص 78. ففي التاريخ الماضي كم وكم من أمم طاغية باغية متعها الله من القوة بما لم يمتع به كثيراً من الناس الذين يعيشون فوق الأرض اليوم فماذا كانت عاقبة طغيانهم ؟ كانت عاقبة ذلك الهلاك كما قال تعالى :{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } هود 102.
فقد استكبر قارون فكانت العاقبة قال تعالى : { فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } القصص 81 . فلم لا يعتبر المتجبرون من مصارع الغابرين الذين ذكرهم القرآن الكريم قال تعالى :{ أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } إن البشرية تخضع لقوانين ثابتة في نشوئها وضعفها وقوتها ، والقرآن ينبه إلى ثبات هذه القوانين ، ويتخذ من مصارع القرون وآثار الماضين الدارسة الخربة ، يتخذ منها معارض للعبرة والخوف من بطش الله وأخذه للجبارين ، ونظره في عالم اليوم نرى نشوة التحكم الأمريكي وتربعها على صدر عالم اليوم قد بلغ أوجه ، مما يبشر بحتمية انحسار هذا التحكم وزوال سلطانه ، الذي تحول إلى سوط يسوم الشعوب الضعيفة سؤ العذاب والقتل والهوان وقد بلغ التحدي مداه عندما نصَّبت أمريكا نفسها الحاكم المتفرد بإدارة الكون ، والمتحكم في شؤون الدول والشعوب والأفراد ، إضافةً إلى امتلاكها زمام المبادرة والقرار في شؤون العالم الاقتصادية والمالية ، بعد أن أوجدت المؤسسات الدولية التي استطاعت أن تجعل الدول تقع في فخ المديونية والعمل على تكريس الظلم والقهر والعدوان . صحيح أن أمريكا تتربع على عرش العالم ، ولكن قواعد هذا العرش قائمة على الجماجم والأشلاء والظلم والقهر ، فاستحقت أن تحمل وسام الكراهية والعار . وفي غمرة التبعية المذلة للدول والشعوب لها ، أصبحت ترى نفسها في موضع السيد المعبود ، إذ لا مجال للاعتراض على القرارات التي تحكم فيها بالإعدام على الشعوب ، فلا تسمح لأن تسأل عما تفعل وهم يسألون ، ونست هذه الإدارة أن الله خص نفسه ولا أحد يعرف ما في نفسه ، إلا أننا نذكر في هذا المقام قوم نوح بالطوفان ، وكذلك فرعون وجنوده بالغرق وقوم لوط بالزلزال ، وقوم هود بالريح إلى آخر ما ذكره الله في القرآن من ألوان العذاب الذي أنزله بالأمم الكافرة قال تعالى :{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلهم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله }. إنها سنة الله فلا بد من الشدائد ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة ، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة ، التي يتعلق بها الناس ، يجيء النصر من عند الله فينجو الناس من البطش والتعسف الذي يلاقوه من المتجبرين ويحل بأسُ الله بالمجرمين مدمراً ماحقاً ، لا يصده عنهم وليٌ ولا نصير وإذا كان هذا كائناً بدليل النص القرآني ، فلماذا تضلل الشعوب ، باتخاذ الأنداد من دون الله ، ولماذا تسلم القيادة لمن يتلقون شرائعهم من أهواء البشر لا من وحي الله ؟ ولماذا هذا الخضوع والخنوع والخوف منهم ومن قوتهم ومكرهم ، الذي سيأخذهم الله به مهما يكن من العنف والتدبير ؟ .
قال تعالى : وقد مكروا مكرهم وعند الله مكْرُهُمْ وإن كان مكْرُهُم لِتَزولَ منه الجبال } إبراهيم 45 . إن الله محيط بهم وبمكرهم وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال ، أثقل شيء وأصلب شيء وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال ، فمكرهم هذا ليس مجهولاً وليس خافياً وليس بعيداً عن متناول القدرة ، فهو حاضر عند الله يفعل به كيف يشاء وصدق الله :{ فلا تحسبن الله مخلف وعدِه رُسُلَه إن الله عزيز ذو انتقام } إبراهيم 46. ومن يشعروا بالفشل والخيبة إذا رأوا قدر الله يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض ندعوهم لدراسة تاريخ الأمم القوية الغنية ، كيف انتقص الله من قوتها وقدرتها فهزمت أمام الحق وأنصاره ، والأمم اليوم ليسوا بأشد مكراً ولا تدبيراً ولا كيدا ممن كان قبلهم ، فأخذهم الله وهو أحكم تدبيراً وأعظم كيداً قال تعالى:{وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً } الرعد 43.
ما أحوج المسلمين اليوم أن يدركون طبيعة المعركة ، وان يدركوا أن قوى الكفر لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة مهما تنوعت العلل والأسباب ، وما أحوجهم إلى أن يدركوا أن كل شيء بيد الله ، ينصر من يشاء ولا مقيد لمشيئته والمشيئة التي تريد النتيجة ، هي ذاتها التي تيسر الأسباب والعقيدة الإسلامية واضحة في هذه المجال ، فهي ترد الأمر كله إلى الله ، ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب التي من شأنها أن تظهر النتائج ، أما تحقيق هذه الأشياء أو عدم تحقيقها فليس داخلاً في التكليف ، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله . وعندما ترك الأعرابي ناقته طليقة على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل يصلي قائلاً : توكلت على الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إعقلها وتوكل )أخرجه الترمذي . فالتوكل في العقيدة مقيد بالأخذ بالأسباب ، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله الذي ينصر من يشاء وإن كل مسلم منا يستطيع أن يعرف سبب ما يحل بنا ، إذا ما عرف لمن المقام الأعلى في حياتنا ولمن الطاعة والإتباع والامتثال ؟ فإن كان لغير الله فهم في غير دينه ، وحتى يأتيهم النصر عليهم تفادي ذلك حتى يأذن الله للأمة الضائعة بمن يرفع راية الجهاد ويعيدها إلى الإيمان ، { هذا بلاغ للناس ولينذروا به } وليس لما يفعلونه من أثر ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يعوق بحقيقة وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر ، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر . لأن الله لا ولن يدع الظالم يفلت ، ولا يدع الماكر ينجو ، ولن يخلف الله وعده ، وسيكون ذلك لا محالة ولو إلى حين ، ولا ندري كيف يتم هذا . ولكن الله أعلمنا بأنه لا يغيِّر نعمة أو بؤس ، ولا عزاءً أو ذلة إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم ، لأن ما يحل بالمسلمين هو نتيجة مترتبة على ما يكون منهم قال تعالى:{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }الرعد 11.
