قال عليه الصلاة والسلام : ( إن أول دينكم نبوة ورحمة ، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله ، ثم تكون ملكاً عضوضا فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله جل جلاله ، ثم تكون ملكاً جبرية فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله جل جلاله ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وَيُلْقِيَ الإسلام بِجِرانِه أي يستقيم ويقرُّ قراره في الأرض يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض ،فلا تُبْقِي السماء من قطرها إلا أنزلته ، ولا تبقي الأرض من خيراتها ونباتها إلا أخرجته ) . إن الحديث يخبر عن الواقع الذي تعيشه الأمة من الضعف والتفرق والذلة هذه الأيام ، ويُطمئن بعودة الخلافة في الأرض ، وأنها لا بد قائمة طال الزمان أم قصُر ، فكما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول عهدنا نبوة كان الرسول فيها يسوس الناس بهديه ، ويدبر أمورهم بما يوحى إليه ، ثم جاء عهد الخلفاء الراشدين ، عهد الرحمة وهم قدوة لمن جاء بعدهم ، وهدايةً لمن سار على طريقهم . ثم يكون السلطان بعد هؤلاء ملكاً عضوضا_ أي يصيب الرعية عسفٌ وظلم – نتيجة لإساءة تطبيق أحكام الإسلام ، ثم أخبر الحديث أنهم سيفترقون شيعاً وأحزابا ، وأوصاهم بالتزام الجماعة وعدم الخروج من الطاعة ، ولو لحقهم ظلم وجور ، ونهاهم عن الدخول في الفتن ، فقد كان الناس يتمتعون في ظل الإسلام بالعدل . أمّا هذه الأيام حيث أُبعد الإسلام عن الحياة وطبقت أحكام الكفر ، فقد ورد ذم ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أنه عليه السلام قال لكعب بن عجرة : ( أعاذك الله من إمارة السفهاء ، قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال : أُمراء يكونون بعدي ولا يهتدون بهديي ، ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم ، فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي ، يا كعب الصيام جُنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، والصلاة قربان أو قال برهان يا كعب الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها أو بائعٌ نفسه فموبقها ) . هذه هي حال الناس هذه الأيام ، حيث تُركت السنة ، وانتشرت الموبقات ، وتحكَّم التافه في رقاب الناس ، وهو ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( سيأتي على الناس سنواتٌ خدّا عات ، يُصدَّقُ فيها الكاذب ، ويُكَذَّبُ فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ويُخوَّنُ فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه ينطق في أمر العامة ) . لقد ذلت الأمة وضعفت واستولى عليها اليأس ، حتى غدت لا تثق بنفسها ، حتى أذلها ألعن خلق الله ، وما دروا أن ذلك غضبٌ من الله ، لما ورد في الحديث القدسي عن رب العزة : (من عرفني وعصاني سلطت عليه من لا يعرفني ولا يخشاني ) .
لقد تسلط علينا اليهود لا لأنهم كريمون على الله بل كما قال : لا يعرفونني ليكون تسلطهم خالياً من الرحمة بعيداً عن الحق ، فيه إذلال ٍوإخضاع ليكون عقاباً لنا في الدنيا ، وذلاً لا نجاة منه إلا بإتباع منهج الله ، وصدق رسول الله عندما قال : (فإن أنتم تركتم سنتي سلط الله عليكم من لا يخافه ولا يرحمكم ، فلا ينزع خوفه من قلوبكم حتى تعودوا لسنتي ) .
وإذا كان لا خلاص لنا مما نحن فيه إلا بذلك ، فلم لا نعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ، أما آن للمسلمين أن يفيقوا من غفوتهم ، وينفضوا غبار الذل عن وجوههم ويستهينوا بوعيد الكافرين لوعد ربهم ، فيقبلون على الكتاب والسنة يحيونهما بالتمسك بما جاء فيهما ، وتعلمهما وتعليمهما الناس ، وحثهم على العمل بهما وهذا ما أمرنا به رسولنا صلى الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( إن السلطان والقرآن سيفترقان ، فلا تفارقوا الكتاب ، إلا أنه سيكون عليكم أمراء مُضُلون يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم ، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم قالوا :يا رسول الله كيف نصنع ؟ قال :كما صنع أصحاب عيسى نشروا بالمناشير ، وحملوا على الخشب ، موتٌ في طاعة الله ، خيرٌ من حياةٍ في معصيته ) . لهذا فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، لأن الدور الذي أخبرنا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم آت لا محالة ، دور يبشر بأن عزة الإسلام ستكون على أيدي الداعين الى حياةٍ على منهاج النبوة حياةٌ تأتي بعد هذا الدور الذي نحن فيه وفي الطريق عقبات ومشقات ، وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم : من أن قسماً من الناس سيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتعرضون للأذى وتسؤ الأحوال ، وفي هذا الصدد يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ليت شعري كيف أمتي بعدي حين يتبختر رجالهم وتمرح نساؤهم ليت شعري كيف هم حين يصيرون صفين : صفاً ناصبي نحورهم في سبيل الله وصفاً عمالاً لغير الله ) . فريق يتحمل الأذى في سبيل الوقوف إلى جانب الحق ومعاداة الباطل مستهينين بوعيد الظالمين لوعد الله ، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، أما الفريق الثاني الذي انصرف إلى الدنيا ، لا يهمه إلا نفسه غافل عن آخرته ، أغرته المظاهر الزائفة ، يفتخر بما يجمع ويغترُّ بما يملك ، فهذا فريق يصدقُ فيه وفي أمثاله ، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ) . فهو لا يعرف للحياة إلا معاني المتع الجسدية ، ولا يقيم لعمل وزناً إلا من خلال المنافع المادية ، إن أصابه منها خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين وهؤلاء هم العمال لغير الله ، يعملون لغيرهم ليصيبوا حظاً وافراً من هذه الدنيا فضلوا متاعها الزائل على نعيم الجنة الدائم ، باعوا أخرتهم بدنيا غيرهم ، فهم وأمراؤهم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
إن المستقبل في الدور القادم للإسلام ولهذه العقيدة ، التي يقوم عليها بناء الإسلام ، وإن العودة إلى راية لا إله إلا الله التي مزقها الاستعمار ذات يوم ليسهل عليه الهيمنة على العالم الإسلامي جزءاً جزءاً ، وأخرجوا فريقاً من المسلمين من ديارهم ، وظاهروا على إخراجهم هؤلاء يحِّرم الله علينا أن نُمدّ أيدينا لهم ، نسالمهم ونعاملهم ونتعاون معهم ، مصداقاً لقوله تعالى : ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ، أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ الممتحنة 9. إن كل معاهدةٍ أو تعاون مع عدونا الذي أحتل أرضنا يحرِّمها الإسلام ، ويعد الذي يتعاون معه خارج عن نصٍ إسلامي صريح ، وإنه منكر لا تجب الطاعة فيه وعلى الأمة أن ترده بكل وسيلة ممكنة ، وما ينطبق على الدول في هذا المجال ينطبق على الشركات والأفراد والمؤسسات المالية والتجارية ، فأي تعاون أياً كان هذا التعاون ، هو خروج على الإسلام ومخالفة لأوامر الله وخروج على مصلحة الأمة . وكل جهة من هذه الجهات في كل بلد إسلامي عليها أن تجاهد قوي البغي والظلم ، بكل الوسائل المستطاعة ، لأن المسلمين في حالة حرب دائم مع هذا العدو حتى يزول عدوانه عنا ، هذا هو موقف الإسلام بصراحةٍ ووضوح يقود البشرية إلى الخلاص ويرسم لها طريق السلام الشامل ، المبرأ من البغي والفساد والعدوان .
إن الإسلام قوة تنطلق في الأرض لتحرير البشر من قوى البغي والظلم وتمنحهم الحرية والنور والكرامة . قوة تجاهد قوى الشر والفساد والعدوان في الأرض ، حتى تمحوها وتعيد للإسلام مجده وعزته . حرب على الاستبداد وعبودية البشر وعلى الطغيان والظلم ، حرب تحمل معها المساواة والعدالة ، تحققها في عالم الواقع ، في التشريع والتنفيذ ، وإلا فستظل البشرية تعاني من الظلم والطغيان والانحراف ، وهو من صنع الحضارة الكافرة الضالة عن الله ، إلى أن يتسلم الإسلام الزمام ، فيقود البشرية الحائرة إلى عدل الإسلام والنظام والسلام ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ألا بنصر الله تطمئن القلوب .
عودة الخلافة
