للناس أعياد ومناسبات يحتفلون فيها ، فأعياد أهل الكتاب والأمم الكافرة ترتبط بأمور دنيوية أو مناسبات دينية خاصة بهم ، وكعيد النيروز الخاص بالمجوس ، أو أعياد هي من شعائر الله التي ينبغي إحياؤها ، كعيدي الفطر والأضحى الخاص بالمسلمين ، ولا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بالكفار والمشركين في شيء مما يختص بأعيادهم ، ويأتي أصل الاحتفال بعيد العمال ، من كندا حيث النـزاعات العمالية وحركة التسع ساعات في هاميلتون ثم في تورونتو كندا ، وقد قامت المسيرات لدعم هذه الحركة ، واستلهاماً من أحداث هذه الاحتفالات التي شهدها زعيم العمال الأميريكى ، الذي قام بتنظيم أول عيد للعمال في نيويورك ، يحتفل به في الخامس من سبتمبر من كل عام ، ومن الجدير بالذكر أن أمريكا قتلت أبناءها حين تعارضت مصالح عمالها مع مصالح أغنيائها ، وبسبب قتلها للخيرين من أبنائها ، كان عيد العمال . إن العمل في الإسلام عنصر أساسي ، في بناء الدولة العصرية ، إذا كان هذا العمل يستجيب لكل مطالب الحياة ، ويستند إلى تخطيط علمي ، والويل للقول إن لم يترجمه عمل ، لأنه يصبح ثرثرة تشقى بها الأمة ، لذلك قل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثر عمله وتعلم منه أصحابه أن يقللوا حجم الكلام ، ويكثروا حجم العمل صعد عثمان بن عفان المنبر يوماً ، فلم يجد كلاماً يقوله وطالت حيرته ، وأخيراً فتح الله عليه بهذه الكلمات : ” أيها الناس سيجعل الله بعد عسر يسرا ، وبعد ضيق فرجا ، وأنتم إلى إمام أفعال ، أحوج منكم على إمام أقوال ثم نزل ” فتهللت أسارير الصحابة ، وظهرت الغبطة على وجوههم ، لأنهم سمعوا أبلغ خطبة في أوجز لفظ وأحلاه وظهر الخليفة من خلال هذه الكلمات ، بأنه رجل أفعال وليس رجل أقوال . إن للعمل في مجتمع الإسلام قيمة عليا ، ومكانة الإنسان فيه تبرز من خلال عمله ، نجد ذلك واضحاً في قوله تعالى : { ولكل درجات مما عملوا } فالآية تبرز قيمة العامل ، ومن خلال آيات العمل الواردة في القرآن ، نجد أنها تتناول نوع العمل ، وكرامة العامل وحق العمل واجر العمل وهدف العمل ووقته وإتقانه ولذلك اعتبر الإسلام العمل عبادة لله كالصلاة ، وما دام العمل عبادة ، فإن العامل يحرسه ضميره المؤمن ، بأن عليه رقيباً من داخله يذكره دائماً بربه ، وهو ما يبرزه قوله تعالى :{ وفل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } فالآية تأمر بالعمل المطلق ، الذي ينظم شئون الدين والدنيا ويكون شعار المجتمع المسلم : { وقل اعملوا } تكليف وعبادة وأمر رباني ، وفيه إشارة إلى كرامة العامل وتقديسه ، ولم يكتف الإسلام بطلب العمل والحض عليه وإنما تجاوز ذلك إلى المطالبة بإتقان العمل وإخلاص النية فيه ، وقد فاخر النبي صلى الله عليه وسلم كل عمل مخلص وفاخر باليد العاملة قائلاً : ( تلك يد يحبها الله ورسوله )
وجاء في الآيات ما يشير إلى أن المنهج الإسلامي منهج عقيدة ، وعمل يصدق العقيدة ، منهج لا تكفي فيه النوايا إنما هي تحسب مع العمل ، فتحدد قيمة العمل وكحافز على إتقان العمل قال تعالى :{ ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} يونس 61 . وأما إخلاص النية في العمل ، فقد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله ( إنما الأعمال بالنيات ) الأعمال لا مجرد النيات
فقيمة الفرد في الإسلام ، هي بما يقدمه لأمته من عمل وبما يحرزه في نفسه من صلاح وتقوى ، وبذلك يكون تفاضل الناس أمام الله ، وليست قيمة الفرد بما يملك من مال أو يحرز من جاه أو سلطان .
ولا قيمة للفرد في الإسلام ، إذا تكلم ولم يفعل ، لأن سرّ قوة الكلمة كامن في قوة الإيمان ، بمدلول الكلمات لتحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية ، والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس ، فلا يقعد القادر على العمل ، طمعاً في أن يؤدي واجبه بالكلام ، وقديماً قال الشاعر :
السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحد بين الجِدِّ واللعب
ففي كثيرٍ من الأحيان ، يصبح من العبث أن نتكلم ونتكلم ثم لا نفعل شيئا ، لأن الكلمة لا يمكن أن تفعل شيئا ، إلا إذا تحولت إلى فعل ، والفعل لا بد له من عقيدة لأن قوة الكلمة ، إنما تنبع من أنها ترجمان العقيدة ، وقد عاب الله على من يقولون ولا يفعلون قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } الصف . ولما للعمل من أهمية ، فإن الإسلام يحرص على إقامة المجتمع القوي ، الذي يأكل مما يزرع ، و الذي تتحقق فيه الكفاية في الإنتاج ، من أجل توفير الحاجات الأساسية لأفراده ، وتحقيق خلافتهم في أرض الله كما جاء في الحديث ( إن الله يحب العبد المؤمن المحترف ) فاليد الخشنة العاملة ، يد يحبها الله ورسوله ، ولا يمكن للأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس ، إلا عن طريق العمل والإعداد ، وبذل الجهد والسعي في الأرض قال سبحانه وتعالى : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } ومن هنا كان للعمل في الإسلام قيمته وأهميته ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم : ( ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) .
وقد أنزل الدين الإسلامي العاملين منـزلة تقترب من منـزلة الأنبياء والصديقين والشهداء ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ) .
والذين يقرؤون سير الأنبياء والرسل الكرام ، يزدادون إيماناً بقيمة العمل ، وإدراكاً لمـنـزلة العاملين ، ذلك أن الأنبياء والرسل ، كلهم كانوا يعملون ، فقد كان لكل نبي حرفة يعمل فيها ويعيش منها ، ليكون قدوة لقومه فقد كان إدريس خياطا ، وكان داود عليه السلام حدادا ً، وكان نوح عليه السلام نجاراً ، وكان موسى عليه السلام راعياً للغنم وكذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم .
ولقد اقتدى الصحابة برسولهم الكريم ، فلم يركنوا إلى الكسل أو يقعدوا عن طلب الرزق، بل كانوا جميعاً يعملون ، فقد كان الصحابي الأول أبو بكر رضي الله عنه تاجر قماش، وكان الزبير بن العوام خياطاً وكان عمرو بن العاص جزاراً ، والعمل شرف مهما كان متواضعاً فقد روي أن أحد الأمراء مر على عامل نظافة ، وهو يكنس الشوارع وينشد قائلاً :
وأكرم نفسي إنني إن أهنتها وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فقال الأمير للعامل: وأي إكرام هذا الذي أكرمت به نفسك ، وأنت تعمل كناساً ، فقال : إن عملي هذا أفضل من أن أقف على أبواب اللئام أمثالك يعطونني أو يمنعوني ، وقد أكرم الإسلام العمال ، وجعل لهم حقوقاً كثيرة ، وجاءت الأحاديث الشريفة موضحة ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : ( من استأجر أجيراً فليعطه أجره ) وقال : ( أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) .
وحث الإسلام على العمل حتى عند قيام الساعة وفي أحرج الأوقات ( إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ) .
إن أهم شيء تقوم عليه هذه الحياة ، هو العمل فكل ميسر لما خلق له ، والعمل في ذاته حركة ، والحركة دليل الحياة ، والسكون دليل الموت ، فلا يمكن أن تستقيم حياة بغير عمل ، ولا يمكن إن تنتظم حياتنا بغير عمل ولذلك اعتبر العمل محور الإسلام وجوهره ، على أن يكون في حدوده الشرعية ، التي لا تمس حقوق الآخرين ولا تضر بمصالحهم ، فكان من قواعد الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
وقد وضع الإسلام للعمل قواعد عامة ، وقواعد خاصة في كثيرٍ من أنواع التصرفات ، تدور كلها حول وقاية المجتمع من الخصومات ، التي تبدد شمله ، وتكدر صفوه ، كما عنى بتنظيم العمل وتوزيعه ، حتى لا يشغل عمل الدنيا عن عمل الآخرة ، وعما يجب عليه من حقوق كما بين أن المغالاة فيه ، وعدم تحري طرق الكسب الحلال لا تجلب رزقا ، ولا تضاعف كسبا قال صلى الله عليه وسلم : ( إني لا أعلم شيئاً يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا أمرتكم به ، وإني لا أعلم شيئاً يبعدكم من الجنة ويقربكم من النار إلا نهيتكم عنه ، وإن الروح الأمين نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، وإن أبطأ عنها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله تعالى فإن الله لا ينال ما عنده بمعصيته ) .
