ها نحن نستقبل رمضان ونحن نعاني من جراحات كثيرة، بل لا يكاد جرح يبرأ حتى نعاني من آخر ، وها هي حرمات المسلمين تنتهك ، وجراحاتهم تنزف ، ودماؤهم تراق في غزة ، وأنحاء كثيرة من فلسطين، لا لشيء إلا أنهم قالوا ربنا الله ، وديننا الإسلام قال تعالى : ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾سورة المائدة 82 . لم نسمع من يستنكر، ولا من يدعو إلى سرعة التحرك ، ووجوب التضامن، يتحدثون في كل المناسبات ، ويتناولون مختلف القضايا، وتنقل وسائل الإعلام تصريحاتهم وأقوالهم ، ولكن محنة الفلسطينيين لم تصلهم، وانتفاضة القدس والضفة لم تحركهم، وثورة الأهل في الجليل والمثلث لم تشجعهم، لم يروا من الأحداث سوى اختطاف المستوطنين الثلاثة ، وهم جنودٌ غزاة، وقتلة عتاة بينما تجاهلت عيونهم صورة الفتى محمد أبو خضير ، وهو يصطلي ناراً ويحترق حياً ، ولا يوجد من يقف إلى الجوار ، وينتصر ويستعد للدفاع أو يعمل لوقف العدوان ، إنهم إما صامتون أو متآمرون، وإما ساكتون أو متعاونون ، وإما عاجزون أو يدعمون، وإما فرحون أو شامتون. ها هي غزة يحكم خناقها، ويعظم بلاؤها، ويطفأ نورها، وتخبو حركاتها، ويتعالى في أرجائها أنين المكلومين، وتوجعات المرضى والمصابين والمتفرجون يعيشون الهوان الجاثم ، والذل المتلاحق على أمة الإسلام ، لم تثر حميتهم لأطفال غزة الذين يخرجون من مدارسهم في خوف وهلع منتظرين نهاية حياتهم ، يصمون آذانهم هلعا من أصوات الانفجارات ، يبكون بجوار جثث آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم المتفحمة ، ويغمضون أعينهم ذعرا وهم على قارعة الطريق ، من مناظر تقشعر لها الأبدان ، فهذا جريح محمولا وآخر مبتورا وغيرهم مكسورا ، كتبوا بدمائهم رسائل وكتبوا قبلها وقبلها رسائل ، مزقتها رصاصات الاحتلال الإسرائيلي وصواريخه من جهة ، وأبلتها ردود الآخرين المتشنجة من جهة أخرى .
ها هم أهل غزة ،شيوخا وعجائز وأطفالا يستصرخون الضمائر النائمة ،علها تستيقظ للقصاص من القاتلين الذين يقتلون ، وهم نائمون علّهم يسمعون غزة وهي تنادي ، لإنقاذ من تبقى ممن يفترشون تراب الأرض ، ليلحقوا أقرانهم .
في غزة من يستغيث ، فهل من مغيث ، أليس من العار أن نسمع الصرخة ولا نجيب ؟ أحياناً لا توجد الكلمات الكافية لتعبر عما نشهده وعما تخبرنا به الأخبار كل صباح ، لدرجة أنه لا يوجد ما يفاجئنا بعد الآن, لكن ما يحصل في غزة يصدمنا ، وقد جرت العادة في عالمنا العربي على أننا إذا ابتلينا ببلية جديدة ، أنستنا ما كان قبلها من بلايا ، ولئن كان الاعتداء على غزة ، قد تعدى كل الحدود ، وفاق كل التوقعات ، وسط صمت عربي وعالمي مريب ، يوحي في بعض جوانبه ، بالتواطؤ مع العدو الصهيوني ، شهدنا وها قد عدنا إلى المشاهد المروّعة التي تُدمي القلوب. وتزهق الأرواح ، وتروع الأطفال ، من عدوٍ لا يصغي لأي نداء. ولا يُوجد من يفعل شيئاً سوى محض الإعراب عن الأسف، علماً بأن ما يجري أبعد فداحة من كل أسف. فالقتل يقض مضاجع المعتدلين، ويذهب بالجميع إلى اليأس من القريب والبعيد ، وغزة نقطة في بحر العالم ، لا تكاد تذكر من حيث المساحة وعدد السكان، لكنها تؤرق الكثيرين ممن يتآمرون عليها، تتحمل ما لا يتحمله احد ، تذبح وتقتل وتحاصر ، وتبقى صامدة ، تنتفض على سجانها وتصرخ في وجه الباطل، يريدونها أن تعيش كما يعيشون ، يرقصون ويمرحون ويسرحون ، بلا كرامة وعزة ، ويساقون كالأغنام ، يريدون لغزة أن تذعن لجلادها ، فكان لابد من ترويضها حوصرت من البر والبحر، حفرت الأنفاق لها تحت الأرض ، فدمروا أنفاقها، حوربت وانتصرت ، مع أنها لا تملك السلاح ، بل تملك الإيمان بقضية عادلة ، بعيداً عن الخيانات والمؤامرات والتنازلات. إن الاعتداءات الصهيونية الآثمة على غزة وسط صمت مطبق ، وصل إلى حد التواطؤ، وفي ظل حصار خانق ، تسبب في الكثير من المآسي والمعاناة ، حاصروا غزة فحاصرتهم، أرادوا كسرها فكسرتهم، أرادوها نموذجا للانهزام فأصبحت نموذجاً للثبات، خططوا لاغتيال قادتها ورموزها ، فكشفت المؤامرة وفضحتهم، وهي في كل يوم ومع كل دفقة دم من شهيد ، تفضح المتآمرين عليها، الذين تمنوا أن يجعلوها عبرة لمن يعتبر ، ولكنها غدت رمزاً للتحدي والصمود والممانعة والصبر ، والثبات والشموخ ، والعزة والكرامة، لا تسل عن حجمها ، فهي الصغيرة الكبيرة ، ولا تسل عن إمكاناتها ، فهي المحدودة العظيمة، ولا تسل عن قدراتها ، فهي الضعيفة القوية، ولا تسل عن صواريخها ، فهي البدائية المتطورة، إنها لم تبال بمن خذلها، ولا بمن خالفها . إن قضية غزة ، ليست قضية شعب معزول يواجه آلة عسكرية موتورة, ولكنها كانت ومازالت قضية صراع ، تمتد جذوره إلى الأبعاد العقدية والدينية, ومن هذه الرؤية بشقيها العقدي والسياسي يمكن فهم الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة وتصعيدها لآلة الدمار والقتل في غزة على وجهها الصحيح .
فالقتل وسفك الدماء ، صفة متأصلة في عقيدة اليهود اليوم ، وموروثاتهم التي تلقفوها من سلفهم الغابر, حبًا وعشقًا في سفك الدماء ، والفساد في الأرض, فمن يتتبع تاريخ اليهود قريبه وبعيده سيستفزه هذا الحقد الأسود الدفين ، على الحياة وعلى الحضارة كعقيدة راسخة لدى هذه الطائفة وسيجد من الوقائع الماثلات ، ما يؤكد استمرارية عقده السعي للفساد في الأرض والإيغال في سفك الدماء الطاهرة. ومن قبل حكى القرآن عن تلك النفسية الشاذة المعوجة ، التي لا تعرف من الحب إلا محبة الشر ولا من الأعمال إلا الفساد ، ولا من وجودها هدفا إلا سفك الدماء قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ البقرة 204 .
فما يقع من مجازر في الأرض المحتلة ، لا ينبغي فصله عن هذا الواقع النفسي والعقدي, فحبهم الفساد وسفك الدماء ، لا يعادله شيء إلا حبهم للحياة الدنيا فهو غرس متأصل في تلك النفسية نفسية اليهود الذين طغت عليهم شقوتهم من قبل فسفكوا دماء الأنبياء والمرسلين, ولن يعرفوا الآن ورعًا ولا زهدًا في الفساد يدعوهم لحقن دماء أبناء غزة ، والضفة وغيرهما ، ما لم يكن هناك رادع ، يلجم هذا الاعوجاج ، والتعطش للدماء الزكية الطاهرة ، ويردها عن غيها وشرها المستطير. اللهم أغث أهل غزة ، واكشف عنهم الضر ، وعجل بالفرج ، اللهم اشدد أزرهم واربط على قلوبهم ، اللهم تقبل شهدائهم واشف مرضاهم وجرحاهم ، اللهم عليك باليهود المعتدين ومن تآمر معهم ، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم ، اللهم اقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير .
غزة الصمود
