غلبة الدَّين وقهر الرجال

وردت عبارة قهر الرجال في حديث أخرجه أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد يوماً ورأى رجلا من الأنصار يقال له أبو أمامه فقال له صلى الله عليه وسلم : مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة ؟ فقال : يا رسول الله همٌ نزل بي وديون لزمتني ، فقال صلى الله عليه وسلم : ألا أعلمك كلمات إن قلتها أذهب الله همّك ، قال قلت : بلى يا رسول الله قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت ، اللهم إني أعوذ بك من الهّم والغم ومن العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ) ، القهر : الغلَبة والأخذ من فوق ، وقهر الرجال في قول كثير من العلماء : ما يصيب الإنسان من هم وغم بغلبة انتُصر عليه بها ، وهو يعلم أنه على الحق وخصمه على الباطل ، وغلبة الدَّين وقهر الرجال اللذان استعاذ منهما النبي صلى الله عليه وسلم ونستعيذ بالله منها جميعاً، هما أشد ما يمكن أن يصاب به الإنسان ، يقال : إن لقمان الحكيم قال في وصاياه: وحملت الأثقال كلها فما وجدت شيئاً أثقل من الدين فلا أشد من الدين، ولا أسوأ على قلوب الرجال الشرفاء؛ أهل النبالة والكرامة من أن يأتيه صاحب الدَّين وهو بين الناس ثم يقول: متى تعطيني؟ .
أما قهر الرجال فهو مرّ ، وإن من أَمَر الأشياء الظلم والقهر، كأن يواجهك شخص ويقهرك ، ويظلمك بشيء واضح لك كالعيان، ولكنك مقهور لا تستطيع أن تتصرف تجاهه، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من ذلك.
والدين كما قيل هم باليل وذل بالنهار ، يفقد العاقل رشده ، وينتزع بين الأصحاب وده ، بل ويؤلبهم ضده فيا من أثقلك الدين فكدرك وأرقك فأسهرك وأهانك فقهرك . كلمات من مشكاة النبوه ، تفك بإذن الله قيدك .. وتحفظ عند الناس عهدك ( اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك ) وكلمات تقولها عند النوم :كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه كان يقول : (الـلهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، منزل التوراة والإنجيل والقران ،أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض الدين عنا وأغننا من الفقر ) . ومن الأدعية التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا بها ربه دفعاً لخصاصة ( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ، وأعوذ بك من الفقر ، لا إله إلا أنت ) ثلاث مرات صباحاً ومساءاً ، والرّجل لا يقهره إلا الرِّجال الأشداء ، وإذا قُهر الرَّجُل من قبِل الرِجال فإن قلبه يَحمِل الغيظ والحقد . وقد ورد في الأمثال ” قهر الرجال يهد الجبال ” هذا المثل يُضرب في توصيف القهر الذي يحصل للرجال بأنه من شدته وسطوته يهد الجبال ، ولذا قيل تعوذوا من قهر الرجال .
لأن القهر يولد الحقد ، ويفقد الحُب ويسلب الراحة ويمرض العقول ويخل بالشعور ويضعف الإدراك ويقلب الموازين ، والإحساس بالقهر هو الشعور الذي يجعل الإنسان يحس بالألم والعذاب ، وقمة القهر أن تضطرك الحياة لمصاحبة عدوك ، وقمة القهر أن يشعر الإنسان بالظلم ويستسلم للظالم ، وقمة القهر أن ترى غيرك يتباهى بقتل مشاعرك ولذلك كان الصحابة يتعوذون من : قهر الرجال وفتنة المسيخ الدجال ، وفي هذا المجال بين ابن خلدون أثر القهر على نفس الفرد والمجتمع فقال: “ومن كان مُرَبَّاهُ بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك، أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب، والخبث؛ وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعَلَّمَهُ المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن ، وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها، ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين ” . ولما يترتب على القهر من الكبت الذي يفسد الخلق والطبع ويثير في المرء دواعي التمرد على القيم الاجتماعية ، جاء النهي في القرآن الكريم عن قهر اليتيم ، لأن القهر والكبت يجعل شخصية الإنسان ميالة إلى العنف، والاعتداء انتقاما للذات ممن قهره .ولذلك حذر الله من نتائج هذا القهر عن طريق النهي عنه فقال : { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي باليتامى خيرا .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *