من نعم الله على عباده ، نعمة اللباس والزينة وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة في قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ الأعراف:26 وريشا ما يُتجمل ويُتزين به ، واللباس والزينة منحة ربانية ونعمة عظيمة، والنعمة واجب على العباد شكرها، ومن شكرها لله أن لا نتعدى فيها حدود الله، وأن نأخذها بحقها، وأن نضعها في محلها الذي وضعها الله فيه، وقد ظهرت في زماننا هذا أشكال من اللباس والزينة في أوساط الشباب والشابات ، وافدة من الغرب، فيها امتهان لشخصية المسلم وكرامته ، اعتقاداً منهم أن لا ممنوع في اللباس والمظهر، بتصميمات مختلفة منها التركي والأسباني والخليجي ، ورسومات ووشم علي الأيدي والكتف وسلاسل وأساور يرتديها الشباب قبل الفتيات، وأشكال يقلدوها دون معرفه أصولها أو الهدف منها ، فمن قصّات الشعر التي لكل قصَّهٍ منها قصّْةٍ ومسمى ، كرأس الديك وجسد القنفد ورجل الزرافة ، إلى ارتداء البنطلونات بأشكالها المختلفة المواكبة للموضة فمنها : البرمودا والمقطع والتنانير الطويلة والقصيرة والحجاب الستايل والبنطلون الساقط الذي أصبح منتشراً جدا في المجتمع الغربي وفكرة هذا البنطلون مأخوذ من السجون في أمريكا التي كانت لا تعط للمساجين حزام للبنطلون كي لا يشنقوا به أنفسهم أو لفض النزاع بينهم ، وقد حاولت بعض المدن الأمريكية منع هذه الموضة بصوره قانونيه، ففي ولاية لويزيانا صدر قرار بحبس كل من يرتدي البنطلون الساقط لمده ستة اشهر وغرامه 500 دولار، وفي ولاية نيوجرسي ، فان القبض علي من يتبعون هذه الموضة يُعني غرامه كبيرة بالإضافة للقيام بأعمال لخدمه المجتمع مثل نقل القمامة ، كما حظر مجلس الشيوخ الأمريكي ارتداء الطلاب لهذا البنطلون، ووافق علي قانون جديد يقضي بحرمان الطلاب الذين يرتدون تلك السراويل من الحضور إلي المدرسة ، وهناك البنطلون المقطع والبنطلون الضيق الذي يثير الاشمئزاز ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، ولكن هناك بعض الملابس المكتوب عليها باللغة الإنجليزية ، واغلب الشباب لا يفهمون ما المقصود منها ، لكنهم يعتبرونها موضة جديدة ، وبعض الكلمات المكتوبة علي الملابس قد تسئ لمرتديها ، فقد تكون غير أخلاقية أو تعبر عن شيء ما ، وكل هذه تحت شعار “الموضة”، والمستفيد الوحيد هم المروجين لهذه السلعة.
إن مسايرة هذا الواقع من الفتنة التي لا ينجو منها إلا من رحم الله ، وجاهد نفسه ، لأن ضغط الفساد ، ومكر المفسدين ، وترويض الناس عليه ردحاً من الزمان ، جعله متمكن من القلوب وشربته النفوس حتى ألفته وأحبته .
ومن أعظم ما حصل من هذه الفتن في العصر الحاضر : مسايرة النساء في لباسهن للفاسقات والكافرات ، وتقليدهن لعادات الغرب الكافر في الأزياء ، وصرعات الموضات ، وأدوات التجميل ، حتى صرنا نرى أكثر نساء المسلمين على هيئة في اللباس والموضات التي ينكرها الشرع والعقل ، وتنكرها المروءة والغيرة ، وكأن الأمر تحول إلى شبه عبودية لبيوت الأزياء ، يصعب الانفكاك عنها .
يقول صاحب الظلال عن هذه العادات والتهالك عليها ، وسقوط كثير من الناس فيها : ” هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم ، ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفراً . وهذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضاً ، وتكلفهم أحياناً ما لا يطيقون من النفقة ، وتأكل حياتهم واهتماماتهم ، ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم ، ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها : أزياء الصباح ، وأزياء بعد الظهر وأزياء المساء ، الأزياء القصيرة ، والأزياء الضيقة والأزياء المضحكة ! وأنواع الزينة ، والتجميل والتصفيف إلى آخر هذا الاسترقاق المذل : من الذي يصنعه ؟ ومن الذي يقف وراءه ؟ تقف وراءه بيوت الأزياء ، وتقف وراءه شركات الإنتاج ! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها ! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها !)
لقد وضع الإسلام للمرأة سياجاً قوياً مانعاً من الضياع ؛ ذلك هو سياج الحشمة والعفاف ولكن اليهود لم يعجبهم ذلك منذ قديم الزمان فقد تآمروا قديماً على نزع حجاب المرأة المسلمة وكشف سوءتها في سوق بني قينقاع ، أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومازالت حربهم لا يزيدها الزمن إلا اشتعالاً ؛ لأنهم يدركون جيداً أن إفساد المرأة المسلمة إفساد للمجتمع برمته .
فمعظم الذين يتحكمون اليوم في بيوت الأزياء ويشعلون أجيج هذه الفتنة هم اليهود ، وأهدافهم ليست تجارية بحتة ؛ إنها تهدف إلى ما هو أسوأ من ذلك ، وهو هدم البنية التحتية للأسرة ، عن طريق إفساد المرأة ، لكونها القاعدة التي يرتكز عليها بنيان الأسرة ، بل المجتمع بأسره .
ومن المعلوم أن أكبر مستهلك على وجه الأرض وفي كل بلد هي المرأة ، خاصة فيما يتعلق بأزيائها ، وجمالها ، وشكلها ، ومواكبتها للعصر
والذين يسيطرون على بيوت الأزياء ، هم الذين يجلسون على عرش الإعلام ، ومن خلاله ينفذون إلى بيوت المسلمين بلا استئذان ، ويعرضون أفكارهم المسمومة عن طريق قنواته ، المرئية والمسموعة ، والمقروءة ، لتلويث الدماغ وتأسيس قواعد ثابتة ليس فقط في بلاد المسلمين بل حتى في قلوبهم ، إلا من رحم ربي .
ومن خلال الوسائل الهائلة التي يمتلكها اليهود يلعبون بمعظم النساء كما يشاءون ، ويتحكمون في رغباتهن؛ فهم الذين يصنعون تلك الرغبات ويصنعون عندهن إحساساً بأنهن ناقصات متخلفات ، إذا لم يسايرن آخر الصيحات .
ومما يؤسف له أن نرى نساءً في بلادنا لا نقول : إنهن لكاسيات عاريات ؛ ولكنهن عاريات عاريات ، وقل أن نجد الآن دوراً أو مجلات تعرضهن بزي محتشم ، فموضة اللباس هذه توحي بأنه لم يعد عرضاً للباس ، ولكنه عرض للأجساد واللحوم الرخيصة ، التي تُعرض بطرق دنيئة وحركات مهيجة ، وأشكال ممقوتة ، تأباها الفطرة السليمة ، ويرفضها العقل المتزن .
لقد تلاعب دعاة الموضة بالكثير من الشباب والشابات ، تلاعباً عجيباً فابتكروا أنواعاً عديدة من الملابس الفاضحة ، التي تحمل أسماء مختلفة : الميني والميكرو , والتوبلس ( أي : الصدر العاري ) ، والسيرو ( أي : الشفاف الذي ترى ما تحته ، مخالفين الشرع وما اعتاده الناس من الحشمة والوقار ، ولكنها موضة العصر التي تسيطر على عقولهم ، والعقل الذي تسيره الموضة كيفما تريد ، هو عقل فاقد للوعي والإرادة سريع الانقياد للمهالك ، يسهل التحكم فيه لإبعاده عن القيم والمبادئ الأخلاقية النبيلة ، كما يسهل إبعاده عن دينه ، وتحويله إلى الوجهة التي يريدها له أعداؤه وأعداء دينه وأمته .
لقد أصيبت هذه الأمة في أعز ما تملك, وهو دينها الذي أعزها الله به, فنسيته أو تناسته, وسيطرت عليها الأهواء, والشهوات, وانطلقت بسرعة البرق تأخذ ما عند الأمم الأخرى, من باطل وضلال, وتقلدهم في فسقهم, وفجورهم وانحرافهم, تقليداً أعمى, لا تفريق فيه بين النافع والضار. ومن أعنف مظاهر هذا التيار اندفاع المرأة المسلمة لمحاكاة المرأة الغربية في أوضاعها المختلفة وبخاصة في لباسها, وزينتها التي كان لها أكبر الأثر على غياب الفضيلة, وانتشار الرذيلة وتفشي الانحلال, والتفسخ في المجتمع الغربي.
إن اللباس من النعم الكبرى التي امتن الله به على عباده, شرعه لهم ليستر ما انكشف من عوراتهم وليكون لهم بهذا الستر زينة وجمالاً بدلاً من قبح العُري وشناعته.
فستر الجسد من الحياء, وهو فطرة خلقها الله في الإنسان, فكل ذي فطرة سليمة يحرص على ستر عورته, وينفر من انكشافها وتعريها, ومن هنا يمكن الربط بين الحملة الضخمة الموجهة إلى حياء الناس وأخلاقهم, وبين الدعوة السافرة إلى العُري الجسدي, باسم الزينة وبين الخطة الصهيونية لتدمير إنسانية الإنسان ، والتعجيل بانحرافه ليسهل استعباده والسيطرة عليه, فيصبح ألعوبة في أيديهم يسخرونه لخدمة مصالحهم الخاصة.
إن مسايرة الموضة ما هو إلا نتيجة إبتعاد الناس عن منهج الله للحياة, وإتباعهم مناهج الشيطان ولكي يعود لهذا المجتمع بهاؤه ورونقه وسعادته لابد من أن نضع أصبعنا على موطن الداء. وأن نحدد على من تقع المسؤولية في معالجة هذا الداء وكيفية استعمال الدواء, ليتم الشفاء من جميع هذه الأمراض الخلقية الذميمة.
أن طريق النجاة من الأوضاع المتردية ، يكمن في الرجوع إلى الله, والتزام منهجه الذي ارتضاه لنا دستوراً للحياة, فيلتزم كل فرد في المجتمع القيام بمسؤوليته, فيقوم بواجبه نحو الله أولاً ثم نحو أمته ووطنه, فالكل مسؤول عن رعيته, فالحاكم راعٍ وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيتها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
فمسؤولية كل فرد تنبع من شعوره بتقوى الله ومراقبته ، والشعور بأنه مسؤول أمامه ، ومن هنا فمسؤولية الرجل, سواء كان أباً أو زوجاً, أو أخاً مسؤولاً, أن يبين لأهل بيته الأحكام التي تخُصُّ أمور الزينة واللباس, موضحاً لهم أن التزيين وسيلة وليس غاية في ذاته, ومسئولية ولاة الأمر توجيه وسائل الإعلام , حتى تبني ولا تهدم ، والعمل على تطبيق منهج الله ، بدلاً من مناهج الكفر والضلال : ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل من ﴾ .
