فروض الكفاية ودورها في بناء الأمة


الفرض هو أحد الأحكام الشرعية، ومن أهم تقسيمات العلماء في الفرض أن هناك فرض عين وفرض كفاية ، أما فرض العين : فهو ما يتعين على شخص معين بذاته ، بحسب قدرته واستطاعته كالصلاة والصيام والزكاة وقول الصدق، ولا يجوز لشخص أن يتخلى عنها، أما فروض الكفاية : فهي تتعلق بما تحتاج إليه الأمة في مجموعها ، حتى تكون أمة قوية ، قادرة على الدفاع عن نفسها ومؤدية لرسالتها ، قال تعالى : ﴿ وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ إنه خطاب موجه للأمة بمجموعها ، حتى لا يطمع فيها الطامعون، وحتى يرهبها الأعداء ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ وهذا ما يسمى بالسلم المسلح ، بأن يكون المسلم قويا ولا يحارِب قوة لا تجعل الأعداء يطمعون في غزو بلاد المسلمين أو احتلال أرضهم .
وقد جاءت النصوص تحث المؤمنين على تأمين ما يلزمهم فقال تعالى : ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ هذا الأمر الإلهي لا يعدو كونه مثالا بارزا لحث المؤمنين على أن ينفروا طوائف لتأمين متطلبات معاشهم وعاقبة أمرهم في المجالات كافة ، ولكن الواقع الذي نعيش أدى استيلاء الحكومات على تفاصيل الحياة اليومية وكف أيد الناس عن المساهمة في كثير من شؤونهم العامة ، ورافق ذلك تسويق فهم قاصر للتديّن انحصر في إطار المسجد ، والممارسة الفردية ، وأصبح المسلمون إزاء ذلك ، ما بين ناطق بباطل أو ساكت عن حق ، وإذا كانت كلمة الحق عند السلطان الجائر ترفع صاحبها إلى عليين ، فإن كلمة الباطل عنده تهوي بصاحبها إلى أسفل سافلين .
وما ضاعت الأمة واستكانت ، إلا يوم وجد فيها مَن ينطقون بالباطل ، ومَن يسكتون عن الحق والساكت عن الحق شيطان أخرس، وإذا كان الناطق بالحق شيطانا متكلما ، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس .
لذا فإن الخطوة الأولى في طريق الدعوة تتمثل في معرفة الحق الموحى به ، والانطلاق منه في بناء القدرة على امتلاك المعايير المجردة في الحكم على الأمور حتى تجيء بعدها خطوة الفعل صائبة ، وذلك ببناء الطائفة القائمة بالحق ، لأن وجود هذه الطائفة التي تقوم بالحق ، هي من لوازم الرسالة المحمدية ، وقد أوكل أمر التجديد بها ، لذلك نرى أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى ياتي امر الله ) ليس مجرد إخبار ، إنما هو تكليف الأمة للعمل على بناء هذه الطائفة ، وهذا يأتي على رأس الفروض الكفائية ، التي بها يكون بقاء أمة الإسلام ، وقد لا نغالي إذا رأينا أن سبب التخلف والتراجع الذي أُصيبت به الأمة ، يتمثل في غياب الفروض الكفائية والمعروف فقهاً أن الفروض والتكاليف الشرعية نوعان : فروض عينية وكفائية ، أما العينية : فهي التي تجب على كل إنسان بعينه ، وفق استطاعته ولا يخرج من عهدة التكليف الشرعي إلا بأدائها وقد وجدت لتزكية النفس وتهذيبها ، والمسئولية عنها أمام الله فردية ، يحكمها قوله تعالى : ﴿ ولا تزروا وازرة وزر أخرى ﴾ الأنعام 164 . ويكاد يأتي في مقدمتها العبادات جميعها .
أما الفروض الكفائية : فهي تكاليف شرعية اجتماعية ، والمسئولية عنها جماعية ، وقد جاءت الأحاديث تنذر بالمسئولية عن التقاعس والتقصير في أداء هذه الفروض ، لعل في مقدمتها فقدان خيرية هذه الأمة ، الذي أدى إلى عجزها عن أداء رسالتها بتحقيق الكفاية في بلاد المسلمين قال تعالى : ﴿ ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ أل عمران 104 . وقال : ﴿ واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ الانفال 25 . ولعل استفهام السيدة زينب زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم يلفت النظر هنا ، عندما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون قال : نعم إذا كثر الخبث ) اخرجه البخاري . فالعمل لدفع الظلم والفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتحقيق الرقابة العامة على المجتمع والفرد والدولة ، يأتي على رأس الفروض الكفائية قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) الترمذي .
وروي ان ملكا أُمر أن يخسف بقرية فقال : إن فيها فلاناً العابد ، فأوحى الله عز وجل إليه : أن به فابدا فإنه لم يتمعّر وجهه فيَّ ساعة قط ” . وذكر الإمام أحمد عن قتادة قال موسى : ( يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض ، فما علامة غضيك من رضاك ؟ قال : إذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضائي عنكم ، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطي عليكم ) .
إننا نلمس أن الإحساس بأن الفروض الكفائية من الدين عملياً ، أمرٌ غائبٌ تماما عن حس المسلمين وقد همشت حتى كادت تقتصر على المصير الأخروي كما تجلى آثار قصور الفهم على إبعاد الواجبات الكفائية ، في مجالات الفقه السياسي ، الذي تركز على حقوق الحاكم على الرعية دون العكس ، وقد أدى عدم الاهتمام بالعلوم السياسية إلى مصادرة حريات النصح والمراقبة والشورى ، مما عرقل كل محاولات الإصلاح ، وشجع التدين الفردي وتراجع فهم الواجبات الكفائية في قضايا المصير الفردي ، والتدين المظهري ، بعيداً عن الخوض في مقتضيات نظام العدالة والمساواة والمسئولية تجاه الضعفاء والفقراء والعاطلين ، ومن المعلوم أن الواجبات الكفائية ما شرعت إلا لحفظ المصالح العامة للأمة ، والوقوف في وجه الدول المستعمرة التي تعمل للاستيلاء على خيرات البلاد الإسلامية ، ولمعرفة هذه الدول بحيوية الدين الإسلامي ، وعلاقته الوثيقة بالحياة العامة وتنظيمها ، الذي يحرِّك الناس نحو المقاومة ، فقد عمد بما يملك من وسائل وادوات ، إلى العمل على صرف توجيهات واهتمامات الناس عن المصالح العامة ، إلى الأمور الخاصة ، والاهتمامات الشخصية والمصالح الفردية ، وعمل على إغراء البعض بمميزات شخصية ، مقابل تنازلهم عن تبني مصالح العامة والدفاع عنها ، كما ساهم في تكوين جماعات تُحرِّم التصدي لمن اعتدى على أمة الإسلام ، واحتل أرضها ، الأمر الذي تتحول فيه الفروض الكفائية إلى فروض عينية ، ومن هنا نصت القاعدة الشرعية على أنه ” إذا فُقد شبرٌ من أرض المسلمين بات أو أصبح الجهاد فرض عين ، حتى أباح للمرأة أن تخرج دون إذن زوجها ” وقد دلت الأحاديث على أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يعطله عدل عادل ولا جور جائر ، كما ساهمت هذه الدول في مصادرة حرية التعبير والنصح الفردي الذي أدى إلى تكريس الأخطاء ووصفها بالصواب المطلق ومن هنا فإن أصح اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن ينظر المسلم إلى الواجبات العينية ، التي أوجبها الله عليه، وأن ينظر إلى المحرمات – وهي كلها عينية – التي حرمها الله عليه. ثم ينظر إلى الواجبات الكفائية التي أمر الله بإيجادها ، ولعل من أهمها العمل لإقامة الدولة الإسلامية ، التي هي الطريق لإقامة غالبية أحكام الإسلام من عينية وكفائية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *