فضل الاستغفار

روى أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مسلم يذنب ذنباً ثم يتوضأ فيصلى ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له ، وقرأ هاتين الآيتين : } والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون { آل عمران 135 وقوله : } ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما { النساء 110 .

إن الله سبحانه وتعالى موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفرٌ منيب وهو يستقبل المستغفرين فيغفر لهم ويرحمهم متى جاءوا تائبين .

إن الله يدرك ضعف الإنسان الذي تدفعه شهواته ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله فلا يقسو عليه ولا يطرده من رحمته حين يظلم نفسه ، وحين يرتكب الفاحشة وحسبه أن يعرف أنه عبدٌ يخطئ ، وأن له رباً يغفر ، فكان الاستغفار ملاذ الخائفين من الله وعزاء المكروبين من تقصيرهم وسوء حالهم وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيقٍ مخرجا ) وقال : ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) . والاستغفار الكامل يتضمن علمًا يورث خوفًا وندمًا على فعل الذنوب ، وتركًا لها ، وطمعًا في رحمة الله ومغفرته .فما دام الإنسان يذكر الله ولا ينساه ، ولا يُصِرُّ على الخطيئة وهو يعلم أنها خطيئة ، ويُقِرُّ بالعبودية لله ، فإن الله لا يُغْلِق في وجهه باب التوبة ويطمعه في المغفرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرَّة ) رواه الترمذي . أما إن كان مقترف الذنب مصِرّاً فإنه لا يكون ممن عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الحديث يشير إلى المستغفر من ذنبه غير المصرِّ عليه وهذا ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله : } ولم يصِرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون {

من ثمار الاستغفار
إذا كنا نريد راحة البال. وانشراح الصدر وسكينة النفس وطمأنينة القلب فعلينا بالاستغفار:﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً ﴾ هود: 3.
وإذا كنا نريد قوة الجسم وصحة البدن والسلامة من الآفات والأمراض والغيث المدرار والذرية الطيبة والولد الصالح والمال الحلال والرزق الواسع فعلينا بالاستغفار قال تعالى : ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾ نوح :1012.وإذا كنا نريد دفع الكوارث والسلامة من الحوادث والأمن من الفتن والمحن فعلينا بالاستغفار:﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ الأنفال:33 . وإذا كنا تريد تكفير السيئات وزيادة الحسنات ورفع الدرجات فعلينا بالاستغفار : ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ البقرة 58. الاستغفار هو الدواء والعلاج الناجح من الذنوب والخطايا ، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم به دائماً وأبداً بقوله: ( يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني استغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة ) والله يرضى عن المستغفر الصادق لأنه يعترف بذنبه ويستقبل ربه فكأنه يقول: يارب أخطأت وأسأت وأذنبت وقصرت في حقك وظلمت نفسي وغلبني شيطاني وقهرني هواي وغرتني نفسي الأمارة بالسوء وطمعاً في سعة حلمك وكريم عفوك وعظيم جودك جئت تائباً نادماً مستغفراً ،فاصفح واعف عني وسامحني وأقل عثرتي وزلتي وأمح خطيئتي فليس لي رب غيرك ، ولا إله سواك .
وفي الحديث الصحيح : ( من لــزم الاستغفار جــعل الله لـه من كل هم فـرجا ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ) . فمن مزقه القلق وأضناه الهم وعذبه الحزن ، فعليه بالاستغفار فإنه يقشع سحب الهموم ويزيل غيوم الغموم، وهو البلسم الشافي، والدواء الكافي. قال بعض العارفين : ينبغي للعبد أن تكون أنفاسه كلها نفسين : نفسا يحمد فيها ربه ونفسا يستغفر فيها من ذنبه . وروي عن الحسن أنه مرّ بشابٍ كان يجلس في المسجد وحده فقال له : ما بالك لا تجالسنا ؟ فقال : إني أصبح بين نعمة من الله تستوجب علي حمدا ، وبين ذنب مني يستوجب استغفارا ، فأنا مشغول بحمده واستغفاره عن مجالستك. فقال : أنت أفقه عندي من الحسن .
ومتى شهد العبد هذين الأمرين استقامت له العبودية ، وترقى في درجات المعرفة والإيمان وتصاغرت إليه نفسه ، وتواضع لربه ، وهذا هو كمال العبودية .
قال القرطبي : قال علماؤنا : الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان فأما من قال بلسانه : استغفر الله ، وقلبه مُصِرٌّ على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقةٌ بالكبائر . وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى استغفار .
فمن يكثرون من الذنوب عليهم أن يستكثروا من الاستغفار ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيرا ) رواه ابن ماجة . وقال سفيان الثوري لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين : لا أقوم حتى تحدثني قال له جعفر : أنا أحدثك ، وما كثرة الحديث لك بخير ، يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقائها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها لقوله تعالى:﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار ، قال تعالى : ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ﴾ يا سفيان إذا حَزَبَك أمرٌ من سلطان أو غيره فأكثر من : لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنـز من كنوز الجنة، ولا ينال ثمرة الاستغفار إلا من استوفى شروطه ، وهي الإقلاع عن الذنب وعقد العزم على عدم العودة إليه ، والندم على ما فرط في جنب الله تعالى ، أما الذي يستغفر الله بلسانه وهو مقيم على معصية الله غير نادم على ما فات منه -فإنه كالمستهزئ بربه- بل إن استغفاره هذا يلزم منه الاستغفار والاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة .قال أحد السلف: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره . أما حالات الاستغفار فهي حال التلبس بالعبادة أو الفراغ منها فيقبل العبد على الاستغفار، يدفع به عن نفسه تبعة التقصير ، وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار في مواطن كثيرة: قال تعالى:﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ محمد:19. وفي آخر ما أنزل على رسوله :﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ النصر:3. وفي الصحيح أنه ما صلى صلاة بعد ما نزلت عليه هذه السورة إلا قال فيها : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) . ويروى عن لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: ” يا بني، عوِّد لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً ” . وقالت عائشة رضي الله عنها: ” طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً ” . وقيل: ” ما جاور عبد في قبره من جار أحب من الاستغفار “. قال قتادة: ” إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار ” . وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم ، وعلى موائدكم وفي طرقاتكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم فإنكم لا تدرون متى تنـزل المغفرة . وشُرِع أن يُختم المجلس بالاستغفار، وإن كان مجلس خير وطاعة . – وهو كفارة لما يكون في المجلس. فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بآخرة إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ:(سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ) . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى. قَالَ: ( كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في الْمَجْلِسِ ) وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار فمما يقول عند النوم: كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة (باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *