قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت فإنه ما كان في كثيرٍ إلا قلله ، ولا قليلٍ إلا جزَّأه ) رواه الطبراني . الإكثار من ذكر الموت سنة مؤكدة ، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت بالهاذم لأنه مفرِّق ومشتت اللذات ، وذِكْره أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة والرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أن يتذكر المسلمون الموت دائماً ، لأن ذكره يقلل من الطمع والتكالب على الدنيا وزينتها والركون إليها والإقبال عليها والتزود بالأعمال الصالحة ابتغاء مرضاة الله وثوابه . ومن عوامل صلاح الأمة التقليل من الاهتمام بالدنيا والقناعة وعدم الانهماك في جمع المال وحسن الاعتماد على الله لأن المقتنع في معاش الدنيا يمكنه التوسع في عمل الآخرة ، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسّع في عمل الآخرة ، قال الشافعي : ” من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب ” فالعاقل من تجنَّب الإفراط والتفريط في تناولها ، قال بعض العارفين : ” من جرَّعته الدنيا حلاوتها جرَّعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها ” ، ولقد أحسن من قال :
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشّفت له عن عدوٍّ في ثياب صديق
ومن عوامل فناء الأمة الشحّ والتقصير في حقوق الله ، وجمع المال والغفلة عن ذكر الله ، وكثرة الرجاء بتشييد القصور وإنشاء المصانع والمتاجر جرياً وراء زيادة الأرباح ، والغفلة عن ذكر الموت والاستعداد للآخرة بصالح الأعمال وغرس الباقيات الصالحات وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نجاة الأمة يكون باليقين والزهد ، وهلاك آخرها بالبخل والأمل فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي الدنيا والأصبهاني : ( نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل ) .
لقد عم البخل وفشا الجهل وزاد الشحّ وتعلّقت الآمال في كيت وكيت فتأخرنا واستعبدنا الأعداء ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . ولكن هذا لا يعني عدم الجد في الدنيا والعمل والسعي لطلب الرزق والربح فهي مزرعة الآخرة فمن أخذ منها مراعياً للقوانين الشرعية أعانته على آخرته ، وقد قيل : ” لا تركن إلى الدنيا فإنها لا تبقي على أحد ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها ” . إنه التحذير من طول الأمل في الدنيا الذي يؤدي إلى الغفلة عن حقوق الله والتقصير في الطاعة الموصلة إلى رضاه والجنة ، وعدم فعل المعصية المؤدية إلى غضبه والنار ، لأن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء ، فلا يزهد المرء في قليلِ من الخير أن يأتيه ، ولا في قليل من الشرّ أن يتجنبه ، لأن الإنسان لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها ، روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الجنة اقرب إلى أحدكم من شراك نعله ) . فالأعمال الصالحة وحدها لها اتصال بكم كاتصال شراك النعل بكم يسيرة سهلة الإتيان ، فاجتهدوا للعمل الصالح الموصل لذلك قبل وقوع الفتن وانتشار الفساد وتأثير الطغاة روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بادروا بالأعمال فتناً كقطعٍ الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافرا ويمسي مؤمناً ويصبح كافرا يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا ) . يحث النبي صلى الله عليه وسلم على المبادرة إلى تطبيق منهج الله والعمل بشريعته ، قبل أن ينتشر الجهل ويزداد الظلم ويكثر الطغاة ويسود العصاة ويقل الصالحون ، وعندها يعم الفساد والضلال وتشغل الدنيا أهلها بزخارفها فتظلم القلوب من الإيمان ، فلا تجد رادعاً يزجرها أو نفساً مطمئنة تقتدي بها قال تعالى : ) من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثوابُ الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيرا ( النساء 134 . فالثواب جزاء على عمل ، فمن أراد ثواب الدنيا فلا بد أن يعمل ومن لطف الله ورحمته أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل ، والدنيا طريقٌ وسبيل ، فكل عملٍ يفعله المسلم ابتغاء مرضاة الله ، يعطيه عليه ثواباً في الدنيا والآخرة والعمل يكون بالجوارح ومن الجوارح اللسان ، وقد فرّق الله بين الفعل والعمل في قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ الصف . فالقول يقابل الفعل ، والكل عمل وهناك نوعٌ آخر من الأعمال لا هو قولٌ ولا فعل وهو النية القلبية ، وعمل القلوب لا يسمع ولا يُرى ، ولذلك جاء في الحديث القدسي عن رب العزّة ( الإخلاص سرٌّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي ) وهذا يدل على أن نية القلوب خاصّة بالله تعالى وقـوله تعـالى : ﴿ وكان الله سميعاً بصيرا﴾ أي أنه سميع للقول وبصيرٌ بالفعل .
