فقه الطاعة للحاكم

هناك من يحرم الخروج على الحاكم ، ويوجب طاعته ويؤكد أنه لا فرق في هذه الطاعة بين الحاكم العادل و الحاكم الظالم، وليس للرعية وسيلة لمواجهة الظلم والاستبداد إلا الصبر ، بأدلة وجوب طاعة أولي الأمر علماً بأنه لا يجوز الاقتصار على عرض الأحاديث دون غيرها من أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ على يد الظالم ، وإقامة الحق والعدل حتى لا يُفهم أن ذلك دعوة لإقرار الظالم على ظلمه أو قبول مخالفاته باسم إيجاب الشريعة لطاعة أولي الأمر ، فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم نظاماً لهذه القاعدة وجعل القيام عليها ، من معالم التقوى ، لأنه لا يستقر حكم ولا تصان دولة ، إلا إذا سادها النظام والطاعة فقال صلى الله عليه وسلم: ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني ) وقال الله تعالى : ﴿ أطيعوا الله ﴾ أي اتبعوا كتابه : ﴿ وأطيعوا الرسول ﴾ أي خذوا بسنته ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ أي فيما كلفوكم به من أمور تخدم الكتاب وسنته . وعندما شرع قانون السمع والطاعة ، لم يفترض في الأطراف التي تمثله ، إلا قيادة راشدة تنطق بالحكمة وتصدع بالحق وتأمر بالخير ، ثم جنودٌ يلبون النداء أما الطاعة العمياء ، لا لشيء إلا لأن القائد أمر فذلك أمر لا يقره شرع ولا عقل لما روى أحمد في مسنده قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار ، فلما خرجوا وجد عليهم الرجل في شيء فقال لهم : أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعوني ؟ فاجمعوا إلي حطبا ، ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها ، فقال شاب منهم : إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها ، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبروه فقال لهم : لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا ، إنما الطاعة في المعروف ) . هذا الترهيب الغليظ يستأصل جذور الطاعة العمياء من نفوس الأتباع جميعا ويجعلهم يفكرون فيما يصدر إليهم من أوامر ، فلا يكونون عبيدا إلا لله ، ولا جثياً إلا للحق ، ولو أنهم عندما أصدروا أوامر يمليها الغرور وتنكرها الحكمة ، وجدوا من يردها عليهم ويناقشهم ، لتريثوا قبل أن يأمروا بباطل ، فلبست إذن الشريعة مع من يعتبر القائد مطلق التصرف ، حتى يأمر فيطاع ، أو من يتخطى من هم أكفأ منه ، وليست شريعة الله مع من يزن الأمور بمدى رضا القائد ، ومدى الولاء له ، لذا نعى القرآن الكريم على قوم أغلقوا عقولهم على رأي فلم يفهموا غيره ، ولم يفكروا فيما عداه ، زاعمين أن الخير فيه وحده ، فقال فيهم : ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ .
إن المسلم الصادق ، هو الذي يعرف الرجال بالحق أما من يثق في أي كلام وافق الحق أم لم يوافقه ، فهم آخر من يقدم للإسلام خيراً ، ورحم انس بن مالك عندما قال : ” كل أمريء يؤخذ منه ويرد عليه ، إلا صاحب هذا المقام – يعني رسول الله عليه وسلم . ثم كيف يصور البعض الخضوع للقائد إيمان ، والانحراف عنه خسران ، قال عمر بن الخطاب لرجل قتل أخاه في إحدى الحروب ، والله لا أحبك ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ! أيمنعني ذلك حقاً لي ؟ قال عمر : لا ، فقال الرجل : لا شيء إذن ، إنما يأسى على الحب النساء . ولا يخفى أن كل أحاديث طاعة الحاكم مشروطة بأداء واجباته كحاكم ، وعدم خروجه على الشريعة فقد روى البخاري ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) وما روى مسلم ( لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف ) كما جاء في كتب السنن أحاديث منها : ( من أعان ظالما ليدحض بباطله حقا، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله ) وحديث ( سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون ، و ينكرون عليكم ما تعرفون ، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل ) السيوطي ، وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص : “هذا ابن عمك معاوية ، يأمرنا أن نفعل ونفعل قال : أطعه في طاعة الله ، واعصه في معصية الله ” . ولا بد من الإشارة ، إلى أن الأمر بالصبر على الحكام الوارد في الأحاديث الشريفة لا يعني الرضا بظلمهم وانتظار الفرج دون سعي لتغييره ، ولا يعني السكوت على ذلك ، لأن الصبر المأمور به ليس صبراً على أن ترى المنكر الذي يسيئك رؤيته فتسكت ، وإنما هو الصبر على الأذى الذي يصيبك من الحاكم جراء مجاهرتك بإنكار المنكر أو الأمر بالمعروف ، بل إن الصبر في هذه الحال من أعظم الجهاد ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وقال : ( من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله ، فلم يغير بقولٍ ولا فعل كان على الله حقاً أن يدخله مدخله ) وولاة الأمر في أفضل حالاتهم ليسوا أكثر من وكلاء عن الأمة ، في إقامة شرع الله وتنظيم أداء فرائضه فإن قصروا في هذا التعاقد فيجب على أهل الحل والعقد من الأمة ، النظر فيما يستوجبه هذا التقصير من مساءلة تبدأ بالنصح والتوجيه ، ويمكن أن تمتد لأكثر من ذلك ، ومن المعلوم أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تعاقدية تعرف في الفقه الإسلامي باسم البيعة بالتزام متبادل كما أعلن ذلك أبو بكر الخليفة الأول في خطبة الخلافة قال :” أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ” .
والبيعة في دلالتها اللغوية ، مصدرٌ يُفيد معنى المبايعة وتعطي معنى المعاقدة والمعاهدة، فالخليفة يعاقد ويعاهد الأمة ، على أن يحكم بالحق والعدل، وأن يرعى أحكام الشريعة، ويصون مبادئ الدين وأن يوفر للمواطن ، كل ما أقرته مبادئ الشريعة للمواطن من حقوق إنسانية وحريات، ويقوم المواطن نيابةً عن ذاته ، بمنح الحاكم توكيلاً أو تفويضاً بإدارة شئون البلاد ، على ما اتفقا عليه ، ويقدم له مع ذلك الطاعة ويتعهد بنصرته ، في كل ما من شأنه أن يحمي مصالح الأمة ، ويدافع عن حقوقها وكرامتها.
أما مطلق النهي عن مراجعة الظالم ونقده ، ففيه غلو وتجاوز، بما يخالف تعاليم الإسلام الراشدة في هذا الشأن لقوله تعالى : ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النار ﴾ وتذكر لنا كتب التاريخ عشرات من مواقف العلماء بل وعامة المسلمين من مراجعة الحكام وولاة الأمر ، ومنها حين قال عمر اسمعوا وأطيعوا ، فقال أحد الحاضرين لا سمع ولا طاعة فقال عمر : ” لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها ” وحين راجعته امرأة في قراره بتخفيض المهور قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر.
وتوجيه النصح للحكام لا يشترط أن يكون من عالم أو أن يكون سراً ، طالما أن المنكر الواجب إنكاره هو مخالف للشرع ، بما لا محل فيه للتأويل مثل المجاهرة بشرب الخمور أو التحريض على الفجور أو التمكين لأعداء الله في بلاد المسلمين
وقد تضمن القرآن الكريم أحكاما وتوجيهات تتعلق بواجبات الحاكم كقوله تعالى : ﴿ إنَّ اللَّهَ يأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ النساء 58 . وقد ذكر العلماء في تفسير هذه الآية ، أن الخطاب فيها موجه إلى ولاة الأمر ، بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل بين الناس، وأن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة ورد المظالم ، وأن اللَّه أمرهم بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل عليهم ، وإذا حاد الحكام عن العمل بأحكام الشرع فإنه لا طاعة لهم ، لأن الحاكم في أدائه لواجباته ، مسئول عن أخطائه وإهماله وتقصيره وسوء استعماله للسلطة الممنوحة له ، فضلاً عما يتعمده من خروج على حدود السلطة ، وما يرتكبه من جور أو تعسف أو ظلم ، وهو في هذا كله خاضع للنصوص العامة ؛ لأن الإسلام لا يفرق بين فرد وفرد، ولا بين حاكم ومحكوم، بل الكل سواء يسري على هذا ، ما يسري على ذاك ، دون تمييز بينهما، فلا يعفي الإسلام الحاكم من أخطائه، ولا يخفف من مسئوليته، ولا يميزه عن أي شخص آخر لذلك كان الخلفاء والأئمة أشخاصًا لا قداسة لهم ولا يتميزون عن غيرهم ، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها ، كما يعاقب أي شخص آخر يرتكبها سواء تعمد هذا العمل أم وقع العمل نتيجة إهماله ولم تكن الشريعة الإسلامية في تقرير مسئولية الحكام عن تصرفاتهم أمام الأمة ، إلا متمشية مع منطق الأشياء ، فقد بينت للحاكم حقوقه وواجباته وألزمته بأن لا يخرج عن أحكام الشريعة الإسلامية ، لأن من لا يقوم بالتزاماته أو يخرج عن حدود الشريعة، فليس له أن ينتظر من الأمة السمع والطاعة، وعليه أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل اللَّه ، فإن لم يتنح مختارًا ، نحاه أهل الحل والعقد مكرهًا، واختاروا غيره ليتولى تصريف شئون الأمة ، وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الإسلامية الصريح ، الذي جاء به القرآن الكريم ، وأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل به الخلفاء الراشدون رضي اللَّه عنهم ، من طاعة الحاكم ضمن حدود الشرع ، لا لشخصه وإنما لما يتمثل فيه من تطبيق لأحكام الشريعة ، واحترام قواعدها ، وتنفيذ حدودها وتحقيق أهدافها .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *