فلسفة العلم في الإسلام


إن الإسلام يؤمن بالعلم طريقاً للتقدم ، وقد أعلن على الأمية حرباً شعواء ، منذ اللحظة الأولى لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت أول آية نزلت عليه : ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ بهذه الآية أصبح العلم شعار الإسلام ، له فاعلية في جميع الميادين ، بحيث لو استبعدناه من الإسلام لم يبق له شيء ، فكل عبادات الإسلام مرتبطة بالعلم ، وجاءت الآيات القرآنية تربط بين العبادة المخلصة وبين العلم فقال تعالى : ﴿ أمَّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحْذَرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ الزمر 9 . فالقنوت الخاشع لله يتوقف على العلم ، ومن ثم لا تستوي عبادة الجهال وعبادة العلماء لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ( فضل العلم خيرٌ من فضل العبادة ) البزار ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل العبادة الفقه ) الطبراني وقال صلى الله عليه وسلم في فضل العالم على العابد : ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا ) الترمذي . ومن العلماء من يحمل المؤهل العلمي , لكنه ينسلخ من مبادئه ، ومن تقوى الله وخشيته ، لا يطبق الواجب من الدين ومنهجه ، وهذا هو العلم الضار قال تعالى : ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ﴾ البقرة 102. هذا الصنف من العلماء هم الذين قال فيهم سفيان الثوري : ” إن فجار القراء اتخذوا القرآن إلى الدنيا سلما قالوا : ندخل على الأمراء نفرج عن المكروب ، ونتكلم في محبوس ولم يكن ذلك هدفهم ، إنما كانوا يقتنصون الدنيا ” ، فعلى العالم أن يحسن الظن بالشريعة ، لأن العلم هو الشريعة وأن يحسن ظنه في عمله للعلم ، وأن يحسن ظنه بالعلم والعمل جميعا، وأن يقبل على ذلك .
ولقد أحسن ابن القيم عندما قال :
والجهلُ داء قاتلٌ وشفـاؤه أمران في التركيب متفقـانِ
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الربانـي
والعلم أقسام ثلاثة ما لهـا من رابع والحق ذو تبيانِ
علم بأوصاف الإلـه وفعله وكذلك الأسماء للدّيانِ
والأمر والنهي الذي هو دينـه وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكلُّ في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالفرقان
والله ما قال امرؤ متحذلق بسواهـما إلا من الهـذيـان
وهذا حق ، فالعلم به كمال الروح ، وكمال الاعتقاد وكمال العمل ، وكمال انشراح الصدر ، وكمال رؤية الأشياء ، وقد ذكر أهل العلم أنَّ من أسباب ضلال الضالين من هذه الأمة ، أنهم ضلوا لأنهم لم يكونوا على علم صحيح لأن العلم الصحيح سبب من أسباب وقاية الفتن ، ووقاية أسباب الضلال .
كثيرون بينهم وبين الكتاب جفاء وهجر ، ومع أنهم أمة (اقرأ) ، أو أن القراءة أصبحت حسَّ الكثيرين ممن اشتطّت أفكارهم عندما فسدت قراءاتهم ، لا يدري ما يقرأ فمرة عن الرياضة ، ومرة عن الفن ، ومرة عن السفاهة وأحسنهم حالاً من يقرأ عناوين الصحف . وكيف يعقل من يقرأ خمس صحف يومية ، ولا يقرأ كتاب رب البرية ؟! وكيف يرشُد حاوي الأدبيات السخيفة ، وهو مُعرض عن الأحاديث النبوية الشريفة ؟! أو من هو مغرَم بالقصص الفنية ، وقد غفل عن السيرة النبوية ، أو من هو هاوٍ للمغامرات ، وناس ما لأهل الإسلام من فدائيات وبطولات! قد ثقلت عليهم المعرفة وخف عليهم القيل والقال ، ولو سألت أكثرهم ماذا قرأت اليوم ؟ وكم صفحة طالعت ؟ لوجدت الجواب صفر ، غالبهم بطين سمين ، ثخين بدين لأنه مجتهد في تناول كل ما وقعت عليه العين ، ووصلت إليه اليدين ، إنهم بحاجة إلى دورات تدريبية على القراءة لأنهم وزّعوا أوقاتهم على السمر مع الشاشات ومشاهدة المسلسلات ، أو متابعة آخر الموضوعات ، وما علموا أن الإنسان بلا قراءة قزم صغير ، وأن الأمة بلا كتاب قطيع هائم كبير .
والمطالع لسِيَر العظماء العباقرة ، يجد الصفة اللازمة لجميعهم القراءة والمطالعة وهيامهم بالمعرفة وعشقهم للعلم ، حتى مات الجاحظ تحت كتبه، وتوفي مسلم صاحب الصحيح وهو يطالع الكتب ، وكان أبو الوفاء ابن عقيل يقرأ وهو يمشي وقال المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب ، وقال صاحب كتاب فن الخطابة : العظمة هي قراءة الكتب بفهم ، وقال الروائي الروسي تيولوستي : قراءة الكتب تداوي جراحات الزمن ، أما آن لنا أن نقبل على القراءة ، بدل أن نقضى العمر ونقتل الزمان بالهذيان ، وأماني الشيطان ، وأخبار فلان وعلاّن ، أما آن لأصحاب الذهن الجامد ، والضمير الراقد أن يستيقظوا ويقتدوا بأصحاب الهمم الشماء ، التي جعلت أحمد بن حنبل يطوف الدنيا ليجمع أربعين ألف حديث في المسند ، وابن حجر يؤلّف فتح الباري ثلاثين مجلداً ، وابن عقيل الحنبلي يؤلف كتاب الفنون سبعمائة مجلد وابن خلدون يسجّل اسمه في عواصم الدنيا، وابن رشد يجمع المعارف الإنسانية كانوا يعطون القراءة أكثر أوقاتهم متجلّدين ، كعطاء أهل الدنيا بدنياهم ومشاغلهم ، فلا غرابة إذا قلنا أن عالمًا من المسلمين قرأ (المدونة) في الفقه المالكي ألف مرة ، والمحدث أبو بكر الأبهري : قرأ (الموطأ) خمسًا وأربعين مرة والحافظ الحسن السمرقندي قرأ صحيح مسلم نيفا وثلاثين مرة ، والحافظ برهان الدين الحلبي ذكر أنه قرأ صحيح البخاري أكثر من ستين مرة ، وقرأ صحيح مسلم نحو عشرين مرة . وأبو الفرج ابن الجوزي ذكر في صيد الخاطر أنه ربما طالع أكثر من عشرين ألف مجلد . أولئك قوم شيد الله فخرهم ، فما فوقه فخر ولو عظم الفخر ولقد أحسن من قال :
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حيا به أبدا الناس موتى وأهل العلم أحياء
وقال الحسن : تعلموا العلم ، فإن تعلمه خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين والصبر على الضراء والسراء ، والقريب عند الغرباء ، ومنار سبيل الجنة ، يرفع الله به أقواما في الخير ، فيجعلهم سادة هداة يقتدى بهم ، أدلة في الخير ، تقتفى آثارهم وترمق أفعالهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، لأن العلم حياة القلوب ، ونور الأبصار ، به يبلغ الإنسان منازل الأبرار ، وبه يطاع الله عز وجل وبه يعبد ، وبه يوحد ، وبه يمجد ، وبه تواصل الأرحام يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء ” . كتب رجل إلى ابن عمر يطلب منه أمراً عجيباً ، أتدرون ماذا قال : قال أكتب إلي بالعلم كله ، فبماذا رد عليه ابن عمر ؟ دله على مفاتيح الخير التي ينجو بها ، فكتب إليه : إن العلم كثير ، ولكن إن استطعت أن تلقى الله : خفيف الظهر من دماء الناس ، خميص البطن من أموالهم ، كافَّ اللسان عن أعراضهم ، لازماً لأمر جماعتهم ، فافعل ” وتعتبر الدعوة في كتاب الله للقراءة ، دعوة كما قيل إلى العلم ، ودعوة إلى المعرفة ، ودعوة إلى البحث والنظر ودعوة إلى الحق واليقين ، ومعنى ذلك فإن الإسلام منذ اللحظة الأولى ، حض على العلم وأشاد بالمعرفة ، والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تدعوا إلى البحث والنظر واكتشاف نواميس الكون ، وكنوز الأرض، يقول الله تعالى : ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ والعلم المشاد به لا يقتصر على العلوم الشرعية بل يشمل كل العلوم التي تحتاجها الأمة ، وقد اتفق الفقهاء على أن كل العلوم التي تفيد الأمة ، طلبها فرض كفاية بما في ذلك العلوم الشرعية ، وقصر فضل العلم على العلوم الشرعية دون سواها ، سبب أدى ويؤدي إلى تأخر الأمة عن ركب الحضارة والتقدم ، ولا يمكن للمسلمين أن يصيروا خير أمة أخرجت للناس ، كما قال بعض العلماء إلا إذا تفوقوا على سائر الأمم ، وأن يكونوا مثالا يحتذي في معاملاتهم وفي سلوكياتهم ، وما يتمسكون به ويدعون إليه ، من قيم رفيعة وأخلاق سامية ، إلى جانب تفوقهم في امتلاك أسباب القوة ، بمختلف أنواعها وأشكالها ، القوة الاقتصادية والسياسة والفكرية والعسكرية والعلمية ، وهذا يعني أن يطورا وباستمرار معارفهم وعلومهم في شتى المجالات ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) فيه إشارة إلى القوة بكل جوانبها وأشكالها ، قوة في البدن والروح ، قوة في العقل والعلم والإرادة . كما ينبغي أن يعرفوا أن أهم عامل يساعد عل التحصيل العلمي الجيد والنافع ، تقوى الله ، قال تعالى : ﴿ واتقوا الله ويعلمكم الله ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ) . وقد قيل : لو كان العلم بلا تقى شرفا لكن أشرف المخلوقات إبليس ، ورحم الله الإمام عليا حين قال : ” العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم حاكم والمال محكوم ، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكوا بالإنفاق ” . إن الأمة الإسلامية ، لا يمكن لها أن تنهض إلا بالعلم ولا يمكن لها أن تتبوأ مكان الصدارة إلا بالعلم ولا يمكن لها أن تقضي على التخلف والأمراض والفقر إلا بالعلم ، ولا يمكن لها أن تقود غيرها إلا بالعلم ، ولا يمكن لها أن تنهي تفرقها المذموم إلا بالعلم فالعلم هو الأساس لوحدتها ، وهو الأساس لفلاحها أفرادا وجماعات ، والعلم مأمور به قبل العمل ، لأنه أساس العمل قال تعالى : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ . إن الترابط بين العقيدة والعلم والعمل في بناء الحياة ، أمرٌ لا بد منه لبناء الدولة العصرية ، لأنه لا علم إلا بعمل ، ولا عمل إلا بعلم ولا إيمان بغير ذلك ، وقد استخدم الإسلام العلم في كل مجالاته التطبيقية ، التي تناولت الحياة كلها وخطط به للسلم والحرب ، والسياسة والاقتصاد والمال وفي كل المجالات ولم يحدث في يوم من الأيام أن صار العلم نظريا فحسب ، بل إن القرآن لينعى على أقوام يقولون ما لا يفعلون فقال سبحانه : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ الصف 2 . يفهم من الآية أنها جعلت العلم من غير عمل ، نكبة وضعفا ، ثم عقبت على ذلك بذكر نموذج تتكامل فيه المعاني الثلاث : العقيدة والعلم والعمل ، وهو الجهاد وقتال العدو ، فليس بالأقوال والمعرفة يكون الجهاد وإنما يكون بعقيدة دافعة ، يخطط لها العلم ، ويترجمها التلاحم على خط النار ، في مواجة العدو كالبنيان المرصوص وكأنما الآية تريد أن تقول لنا : لا يكون الجهاد بالكلمات والنظريات بل بالدماء والتضحيات وبدافع من العقيدة : ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ الصف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *