قالوا عن الموت

كم هو جميل أن نجعل دنيانا مطية لآخرتنا ، يروى أن عمر بن عبد العزيز قال : “ألا إن الدنيا بقاؤها قليل وغنيها فقير وحيها يموت أين الذين بنوا مدائنها وغرسوا أشجارها ماذا صنع التراب بأجسادهم ؟ لقد فارقوا الحدائق و ساروا بعد السعة إلى الضيق و توزعت الورثة ديارهم فيا ساكن القبر غدا ! ما الذي يغرك من الدنيا ؟ ألا ترى كل يوم ذاهبا إلى الله يتوسد التراب و يترك الأحباب ؟ فتزود لسفرك إلى الآخرة بالتقوى
عباد الله : اعلموا أن الآمال تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان تحت التراب تبلى والليل والنهار يقربان كل بعيد ، ويبليان كل جديد ، فاستعدوا للموت بالإكثار من الطاعات والمسارعة إلى القربات ، فقد كان الصالحون يتحسرون عند الممات ، على فراق الأعمال الصالحات ويودون لو طالت بهم الحياة ، للتزود من رفع الدرجات ، وتكثير الحسنات ، ويخافون يوم الحسرات .
فيا من كثرت أوزاره وقلّ استغفاره ، وقد قرب من القبور وقوي عنده الفتور ، أين ندمك من الذنوب ؟ وأين حسرتك على العيوب ، اذكر من إذا أطعته أفادك ، وأصلح قلبك وفؤادك ، وإذا شكرته زادك ، أما تعلم أنه لا نوم أثقل من الغفلة ، ولا رِقَّ أملك من الشهوة ، و لا مصيبة تعدل موت القلب ، و لا نذير أبلغ من الشيب ، أما تعلم أن أعقل الناس المحسن الخائف ، وأن أحمق الناس المسيء الآمن ، وأن من زرع حصد ومن جد وجد ، فكيف تلهو وعمرك يقودك إلى أجلك ، وحياتك إلى موتك ، وأن كلامك عليك مكتوب ، وقولك عليك محسوب ، وأنت تعلم أنك للموت مطلوب ، فلماذا لا تتوب من الذنوب ، ولماذا لا تحاسب نفسك ، فإنها ما ملكت عبداً إلا ذل ، وما ملكها عبدٌ إلا عز ، الموت كلمة ترتج لها القلوب، وتقشعر منها الجلود، ما ذكر في قوم إلا ملكتهم الخشية، وأخذتهم العبرة، وأحسوا بالتفريط وشعروا بالتقصير، فندموا على ما مضى، وأنابوا إلى ربهم، فنسيان الموت ضلال مبين، وبلاء عظيم، ما نسيه أحد إلا طغى، وما غفل عنه امرؤٌ إلا غوى، ولا يمكن علاج ذلك ولا التخلص منه إلا أن يتذكر الإنسان قول الله وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَي أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ لقمان:34. وقوله : (أكثروا من ذكر هادم اللذات: الموت) ، هو المصير المحتوم ، والقدر المُقدّر على الخلق ، والحقيقة التي لا يُجادل فيها مؤمن ولا كافر ، ولا يُماري فيها عاقل ، إننا لا نشك طرفة عين بأن الموت حق ، وأنه آتٍ لا محالة ، من فـرّ منه وقع فيه : ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ .
وقول الله أصدق وأبلغ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وإنما العبرة بما بعد الموت : ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ ولقد قيل لسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام : ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ وقيل لعامتهم : ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ . هذه الحقيقة الحاضرة الغائبة ، نحن على يقين من هذه الحقيقة ، ولكن ماذا بعد هذه الحقيقة ؟ ما ذا قلنا ؟ ما ذا عملنا ؟ ما ذا قدّمنا ؟ كم تخطّفت يد المنون من صاحب ؟ وكم أخَذَتْ من حبيب ؟ وكم ذَهَبَتْ بعزيز ؟
بل كم أخَذَتْ – على حين غِـرّة – من ظالم يتبختر ، فإذا هو خبر بعد عين ؟ وكم قَصَمَتْ من جبار عنيد ؟ وكم تخّطتنا المنون إلى غيرنا وسيأتي اليوم الذي تتخطّى غيرنا إلينا : ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ الموت لا يُؤخِّره جُبن جبان ، ولا تُقدِّمـه شجاعة شُجاع
فإنك لو سألـتِ بقـاء يـوم على الأجل الذي لك لن تُطاعي
الموت .. يأتي فجأة ، وينـزل بغتة ، لا يُفرّق بين صغير أو كبير ، بين مُعظّم أو مُحتقر بين ساكن القصر أو ساكن بيت الشَّعر . إذا حانت ساعة الأجل بادَر ، يأتي على غير موعد سابق ، إن في الموت لعِبرة ، وإن في مروره لذكرى ، يمرّ بنا فيأخذ قريبا أو صاحبا وكأنه يُذكّرنا بأيامنا وبقدومنا على ربنا ، فنحزن ونتّعظ ، ولكن سرعان ما نلهو وننسى ، فما تلبث الأيام حتى تأتينا ذكرى ربما كانت أقوى ، ولكن بعض الرؤوس تبقى غير آبهة بالذّكرى ، حتى يناديه المنادي ، ولا ينفعه النداء (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) قد كنت تهرب من مواطن الموت ، وقد كنت تخشى مفاجأة القضاء ، وقد كنت تحيد عما يضرّ بك ، ولكن اليوم لا مفرّ ولا مَحيد . أما إنه كان غافلا والموت يرقُـبه: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾ . قال ابن الجوزي رحمه الله: أيها القائم على سوق الشهوات في سوق الشبهات ، ناسيا سَوق الملمّات إلى ساقي الممات . إلى كم مع الخطأ بالخطوات إلى الخطيئات ؟ ذلك اليوم هو يوم الفراق ، يوم التلاق ، يوم تبلغ الروح الحلقوم ، يوم لا تنفع الأموال الطائلة ولا العمارات الشاهقة ولا السيارات الفارهة. أحذركم من ذلكم النداء الأخير الذي يناديك فيه رب العزة والجلال إليه ، ويسترد الأمانة وهي النفس والروح التي خلقها فيك ، وذلك بقبض روحك ، ومفارقة أهلك وأحبابك . أحذركم الموت ، وملك الموت ، قال الله تبارك وتعالى : ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الجمعة8. إنني أهيب بكل غني وكل غنية وكل لاه في هذه الدنيا أن يرجع إلى ربه ويتوب ويقلع عن المعاصي والذنوب ، وينوب إلى ربه ويتوب، قبل أن ينقطع به النفس الأخير ، وتخرج منه آخر عملية زفير وشهيق في هذه الحياة الدنيا .
أين ملكك يا ابن آدم . أين سلطانك وجبروتك . بل أين أموالك التي كنت تجمعها في الدنيا من حلال وحرام وتلهو بها في المحرمات والآثام . وأين جاهك وعزك!!
أين قوتك التي كنت تستعملها ضد الضعفاء!!
أين بطرك وتجبرك على غيرك من الناس الأبرياء!!!
لقد ذهب ذلك كله أدراج الرياح وها أنت الآن الآن — تخيل معي نفسك يا عبد الله وأنت يا أمة الله الآن ، أن ملك الموت قد أتاك ، ويريد أن يقبض روحك فهل استعددت لتلك اللحظة أم تقول أمهلني حتى أفعل من الحسنات كذا وكذا …. كلا فإنه قد انتهى وقت حياتك ، وأزف رحيلك ،واقترب أجلك وحانت ساعة موتك ، فهيهات هيهات الرجوع إلى الدنيا …وهيهات زيادة لحظة واحدة فقط لحياتك!!!!
ها أنت الآن في تلك اللحظة – تودع أهلك وزوجتك وأولادك من حولك ينظرون إليك ولا يملكون لك نفعا ، ولا يملكون لك شيئا ، قال تعالى في سورة الواقعة : ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ معناه: فهلا تَرجعُون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ، ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين.
قال ابن عباس: يعني محاسبين. ورُوي عن مجاهد، وعِكْرِمَة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسُّدِّيّ، وأبي حَزْرَة، مثله.
وقال سعيد بن جُبَيْر، والحسن البَصْرِي: ﴿ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ غير مصدقين أنكم تُدانون وتبعثون وتجزون، فردوا هذه النفس.
فاللهم إنا نسألك حسن الخاتمة ونعوذ بك اللهم من سوء الخاتمة..
هذه ذكرى للمتذكرين وموعظة للعاصين ، وتنبيه للغافلين
فيا ليت قومي يعلمون …ومن غفلتهم يفيقون …!!!
مرض أعرابي فقيل له: إنك ستموت؟ قال: وإذا مت إلى أين أذهب؟ قالوا: إلى الله عز وجل. قال: فما كراهتي أن اذهب إلى من لم أرى الخير إلامنه سبحانه .
لما حضرت محمد بن سيرين الوفاة بكى! فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية، وقلة عملي للجنة العالية، وما ينجيني من النار الحامية. ابن آدم لماذا تتجاهل حقيقة الموت وشدته، و القبر وظلمته، ويوم القيامة وكربته، والصراط وزلته، الحقيقة دائماً وأبداً، حقيقة أن الدنيا مدبرةٌ فانية: ﴿ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ غافر:39 وأن المرد إلى الله، وأن الحياة موقوتة، والآجال محدودة، والأنفاس معدودة، ثم تأتي النهاية الحتمية، ويحل هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ثم بعد ذلك يكون الناس فريقين فإما إلى جنة عالية، قطوفها دانية، وإما إلى نار حامية، نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه، فكأس الموت تتذوقه كل النفوس، وجرعته يتحساها كل حيٍ في هذه الحياة، لا فرق بين إنسانٍ وآخر، إنما الشأن كل الشأن ما بعد هذه اللحظة الحاسمة، من المصير الذي يستحق أن يعمل من أجله العاملون.
فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء
كل مسافر يرغب الوصل إلى دار مقامه لا بد له من زاد يحمله وراحلة توصله، وهاد يرشده طريق النجاة وسبيل السلامة وإن فقد واحدة من تلك الأمور تعثر في سيره وظل طريقه وأخطأ واحدة من تلك الأمور تعثر في سيره وظل طريقه وأخطأ في الوصول إلى غايته ومنتهاه، وكان في ذلك هلكته .
فكيف بنا معشر السائرين إلى الله، والراغبين في الوصول إلى دار المقامة ومنازل المكرمة، لابد لنا من زاد ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ البقرة: من الآية197، ولا بد لنا من راحلة نستقلها ونركب عليها ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾ هود: من الآية42، وهذه الراحلة هي سفينة النجاة التي دعا نوح عليه السلام في زمانه قومه لركوبها نجاة من الطوفان وهذه الراحلة في زماننا هي سفينة الإتباع للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم الابتداع سفينة الاقتداء والمباعدة والمفارقة للصف الكافر. ……منقول

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *