قبول النصيحة

 قيل :” من نصحك فقد أحبَّك ، ومن داهنك فقد غشّك”  هنالك يُعلم مبلغُ ما في هذا القول من الصدق والإخلاص والنصح لله ولرسوله وللمؤمنين.

 إن قبولَ النصح  سجيةٌ جميلة ، وخلّة محمودة وخلق كريم، ولعِظم مقام النصح وشرفِ منزلته وسموِّ مرتبته كان رسول الله  يشرطه على من يبايعه على الإسلام من الصحابة الكرام ، فقد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن زياد بن علاقة أنه قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول يومَ مات المغيرة بن شعبة بعد أن قام فحمد الله وأثنى عليه وقال : عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له ، وعليكم بالوقار والسكينة حتى يأتيَكم أمير، فإنما يأتيكم الآن ، ثم قال: استعفوا لأميركم أي اطلبوا له العفو من الله  ، فإنه كان يحبُّ العفو ، ثم قال: أما بعد: فإني أتيت النبي  فقلت : أبايعك على الإسلام ، فشرط عليّ : (والنصح لكل مسلم)  أي : وعلى النصح لكل مسلم ، فبايعته على هذا ، وربِّ هذا المسجد إني لناصح لكم ، ثم استغفر ونزل رضي الله عنه وأرضاه . فليس عجباً إذاً ـ أيها الإخوة ـ أن يكون الدينُ النصيحةَ كما أخبر بذلك النبي  في الحديث الذي أخرجه مسلم رحمه الله في الصحيح عن تميم الداري أنه صلوات الله وسلامه عليه قال ذلك ثلاثاً ، قالوا: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ( لله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ، فأما النصيحة لله فبتوحيدِه سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والخضوع له ظاهرًا وباطنًا، وبتقديم حقِّه سبحانه على حقوق غيره، والرغبة في محابّه بفعل مراضيه ، والرهبة من سخطه ، بترك معاصيه   وبالاجتهاد في ردِّ العاصين إليه  ، وأما النصيحة لكتابه فبتعلُّمه وتعليمه ، والعمل به وبما أنزل الله فيه ، وتفهّم معانيه ، وأما النصيحة لرسوله فبمحبَّته وطاعته ونصرته ، وإحياء سنته ، والاقتداء به في أقواله وأفعاله ، وأما النصيحة لأئمة المسلمين فبإعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به ،  ومن جملة أئمة المسلمين ـ الأئمة المجتهدون ، ونصحُهم ببثّ علومهم ، وتحسين الظنِّ بهم . وأما النصيحة لعامة المسلمين بتعليمهم ما ينفعهم ، وكفّ وجوه الأذى عنهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه ، وأن يكره لهم ما يكره لنفسه . ذكر هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله   قال الله تعالى ﴿ : إنما المؤمنون إخوة ﴾ وما دام المؤمنون إخوة فلابد من أن ينصح بعضهم بعضاً  من خصائص المؤمنين أنهم يتناصحون ، فقال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) مسلم .  فحيثما كانت النصيحة كان الدين ، وحيثما غابت النصيحة غاب  لذلك جاء الحث في الأحاديث الصحيحة على النصيحة . عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) مسلم ، وجاء في الحديث عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسه ) البخاري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *