قد اشتهرت وانتشرت في معظم التفاسير المشهورة وتناقلها القصاص والوعاظ وهي من الإسرائيليات الموضوعة ، التي تطعن في الأنبياء وهي من المفتريات التي تصدّى لها علماء المسلمين ومحدثوهم وبينوا زيفها وبطلانها .
أما القصة كما وردت في تفسير الطبري ، روي عن ابن عباس قال: ( كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها جرادة ، وكانت من أكرم نسائه عليه قال : فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم ، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدًا . قال : وكان سليمان بن داود إذا أراد أن يدخل الخلاء ، أو يأتي شيئًا من نسائه ، أعطى الجرادة خاتمه فلما أراد اللَّه أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه ، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي فأخذه فلبسه ، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس، قال: فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي، فقالت كذبت، لست بسليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به، قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها على الناس وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال : فبرئ الناس من سليمان وأكفروه ، حتى بعث اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه جل ثناؤه : { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } يعني الذي كتب الشياطين من السحر والكفر : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } البقرة 102 . وقد رويت قصة أخرى باطلة ترتبط بهذه القصة تبين ما كتبته الشياطين . عن شهر بن حوشب قال: ( لما سُلِب سليمان ملكه ، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان فكتبت من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ومن أراد أن يفعل كذا وكذا ، فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا ) . فكتبته وجعلت عنوانه: ( هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم ) ثم دفنته تحت كرسيه فلما مات سليمان ، قام إبليس خطيبًا فقال : يا أيها الناس ، إنَّ سليمان لم يكن نبيًا ، وإنما كان ساحرًا فالتمسوا سحره في متاعه وبيته ، ثم دلَّهم على المكان الذي دفن فيه ، فقالوا : والله لقد كان سليمان ساحرًا ، هذا سحره ، بهذا تعبَّدنا وبهذا قهرنا ، فقال المؤمنون : بل كان نبيًا مؤمنًا ، فلما بعث اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان فقالت اليهود : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء وإنما كان ساحرًا يركب الريح ، فأنزل اللَّه تعالى : { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان} هذه القصة التي أخرجها ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس ، والقصة الأخرى المرتبطة أخرجها أيضًا ابن جرير في تفسيره عن شهر بن حوشب وأورد القصة الثعلبي في قصص الأنبياء وفيها بيان لأحد نساء سليمان وهي الجرادة بنت الملك صيدون ، تلك القصة التي وضعها الوضاعون وجعلوا هذه المرأة سببًا في سلب ملك داود ، حيث قال الثعلبي : روى محمد بن إسحاق عن بعض العلماء أن سليمان أخبر أن في جزيرة من جزائر البحر رجلاً يقال له: صيدون ملك عظيم الشأن لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر ، وكان اللَّه قد آتى سليمان في ملكه سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، فخرج إلى تلك المدينة فحملته الريح على ظهرها حتى نزل عليها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى ما فيها ، فأصاب فيما أصاب بنتًا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنًا وجمالاً فاصطفاها لنفسه ودعاها للإسلام فأسلمت على يديه في الظاهر خيفة منه وقلة ثقة فأحبها حبًا شديدًا لم يحبه أحدًا من نسائه وكانت منزلتها عنده منزلة عظيمة ، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها ، فشق ذلك على سليمان فقال لها : ويحك ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ ، فقالت : إني أذكر أبي وأذكر ملكه وسلطانه وما كان فيه يحزنني ذلك، فقال لها سليمان: قد أبدلك اللَّه ملكًا هو أعظم من سلطانه ، قالت : إن ذلك حق ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين يصورون لي صورته في داري التي أنا فيها أراه بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني ويسليني عن بعض ما أجد في نفسي ، فأمر سليمان الشياطين أن يمثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه ، فعمدت إليه حين صنعوه فأزّرته وقمّصته وعمّمته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبسها ثم أنها كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو ، إليه في ولائدها فتسجد له ويسجدن له معها كما كانت تصنع معه في ملكه .
هذه القصة كما رويت قصةٌ واهية ومنكرة ولا أصل لها عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هي من الأخبار المقطوعة والموقوفة المنكرة ، وهي من الأخبار التي أوردها ابن جرير رحمه اللَّه ، وقد أسندها ومن التخريج يتبين أن جميع طرق القصة لم يوجد بها الخبر الصحيح المسند . كما أن الأخبار المقطوعة والموقوفة التي جاءت بها القصة واهية منكرة وإن تعجب فعجب كيف يكون هذا مصير نبي ابن نبي؟ والأعجب كيف يذكر في كتب التفاسير والسنن مثل هذه الأخبار ؟!
أما القصة الأخرى الباطلة التي ترتبط بهذه القصة تمام الارتباط كما بيَّنا آنفًا فهي أوهى من السابقة كما أن قصة عبادة التماثيل في دار سليمان النبي : وهي قصة باطلة وهي مرتبطة بالقصتين السابقتين تمام الارتباط ، وهي أوهى من السابقتين حيث قال الثعلبي : وسند هذه القصة مظلم باطل بالتدليس والجهالة . وهناك قرائن تدل على أن هذه القصة من الإسرائيليات : قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه في «مجموع الفتاوى» (15/148- 150): «وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا مستند لهم فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب ، وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضبهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا ، قالوا في داود ما قالوا ، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه ، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه أما هذه القصص التي أوردناها فقد أوردها ابن كثير في «تفسيره» للآية (102 البقرة)30: وقال: «وأرى هذه كلها من الإسرائيليات». وقال: «الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي اللَّه عنه – إن صح عنه – من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون بنبوة سليمان عليه السلام ، فالظاهر أنهم يكذبون عليه ». اهـ. وقال: «وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراد اللَّه تعالى، والله أعلم .
