إن قوة الأمة بقوة تمسُّكِها بدينها، وضعفها وهوانها بضعف تمسكها بعقيدتها، وفي قوة الأمة قوةً للدين وعزة له، وفي ضعفها إضعافًا للدين وهوانًا له، وهذا ما أكده عثمان رضي الله عنه حينما ربط قوة السلطان بقوة الدين في قوله المأثور: “إن الله لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. إن الناظر إلى أحوال الأمة الإسلامية اليوم يلحظ تأخرها بعد تقدمها، وذلها بعد عزها واحتلالها بعد سيطرتها؛ مصداقاً لقول القائل:
كنا ملوكاً على الدنيا وكان لنا ملك عظيم وكنا سادة الأمم
كسرى وقيصر والخاقان دان لنا وأمرنا كان بين السيف والقلم
إن للضعف أسباباً ، وللقوة أسباباً، والمتابع لواقع الأمة ، يدرك ما تمر به من تخلف ويدرك ما وصلت إليه الأمة من الضعف والهوان ، لعدم تمسكها بدينها ، دين العزة والقوة ، من تمسك به ، وعمل به ، يعزه الله وينصره ، ويقهر به عدوه ، لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ فمَنْ كان يحب أن يكون عزيزاً في الدنيا والآخرة ، كما قال ابن كثير فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده لأن الله مالك الدنيا والآخرة ، وله العزة جميعا ، فمن ابتغى العزة عند غير الله أذله الله قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾ وقال:﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ فالغلبة والقوة لله ، وكما لا يتأتى الإصلاح بتخريب البلاد، فلا يتأتى بإبعادها عن شرع الله ، فكلا الأمرين ، يعد فساداً وإفساداً في الأرض ، لا يحبه الله ، وبالرغم من عِلْمنا بهذا ، يحال بيننا وبين الإسلام ، من قبل أعداء الله وأذنابهم ، حتى غدت الجاهلية الحاضرة ، أشد وأعتى من الجاهلية الأولى وأضحى عُباد الأصنام البشرية ، والشهوات الدنيوية ، أقسى قلوباً من عباد الأصنام الحجرية، وأطل رأس الكفر ومن يسايره يحارب الإسلام وأهله، وأصيبت الأمة في أخلاقها ، فضُيعت الأمانة، وانتشرت الموبقات والمخدِرات، وعمت الرذيلة وتراجعت الفضيلة، وتعطلت أحكام الشريعة ، وطرحت الشعارات ، التي فرّقت الأمة ، وأوردتها موارد الهوان ، فهزمنا وما انتصرنا ، ولن ننتصر إلا براية الإسلام التي استظل تحتها سلفنا الصالح ، ولن ندخل التاريخ ، بأمثال أبي جهل ، وأبي لهب، بل بمن سار على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصحبه الكرام ، وتابعيهم بإحسان ولم نفتح الفتوح ، بحرب داحس والغبراء، بل فتحت ببدر والقادسية واليرموك ، ولم تحرر البلاد بالاستجداء والمؤتمرات، ولكن حررت بحطين وعين جالوت، ولم تحكم الأمة بالقوانين الوضعية ، وعصبيات الجاهلية ولكن حكمت بالقرآن المجيد ، وبالإسلام العظيم ، ولم تبتغِ العزة من محافل الكفر الدولية، ولكنها ابتغيت من الله رب العالمين وبجماعة المؤمنين، ولم يبسط سلطان الأمة بدويلات الطوائف ، بل بسط بالخلافة الراشدة ، وبالأمة الماجدة، فكان على الأمة أن تسير على خطى السلف ، وتتسلم زمام المبادرة، لإعادة مجد الإسلام ،وعزة المسلمين والعمل على إزالة العوائق ، التي تحول دون ذلك ، ولما ابتعد المسلمون عن دينهم قلت قوتهم، وازداد وهنهم، وتسلط عليهم عدوهم، لأنه لا حياة إلا بالإسلام ، ولا أمن إلا بالإيمان، وصدق إقبال إذ قال:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا
لقد أدرك أعداء الإسلام ، بأن قوة المسلمين ، تكمن في تمسكهم لمبادئ هذا الدين، وتمسكهم برابطة الأخوة الإسلامية التي تضمهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم، والعمل للعيش في ظل كتاب ربهم وسنة نبيهم، فاشتدت الحملة ضد الإسلام والمسلمين ، من داخل العالم الإسلامي ومن خارجه ، للحيلولة بين المسلمين ودينهم ، وقطع الطريق على أبناء الأمة، أن يعيشوا أعزة في أوطانهم وديارهم. ولما سقطت الخلافة الإسلامية ، وتقاسمت الدول الصليبية الكافرة، أراضي الإسلام قال المثبطون: بأن ضعف المسلمين يكمن في الإسلام ، الذي أقعدهم عن طلب العلم والنهضة، وكبلهم في التخلف والجهل وتحت هذه المقالات الفاجرة ، نشأت الحكومات ، التي استبدلت شريعة الله بشرائع الكفار، ونظام التعليم الإسلامي بنظام التعليم الغربي، وبدأت أجهزة الإعلام تغرس عقائد القومية، والوطنية الإقليمية مكان العقيدة الإسلامية ، واكتشف المسلمون أخيراً ، أنه لا حياة لهم ولا عز ولا نصر إلا بالدين ، الذي أعزهم الله به وانتصروا في ظلاله ، فجن جنون أعداء الله الذين بذلوا النفس والنفيس ، في سبيل سلخ الأمة عن دينها، وظنوا أن المسلمين قد فارقوا الإسلام إلى الأبد، وأنه لا عودة لهذا الدين من جديد ، وأن قضيته لن يكون لها وجود، وأن دولته لن تعقد لها راية، ولن يرفع لها لواء ، وتنادى أعداء الله في شرق الأرض وغربها ، ليحولوا بين الإسلام وأهله وعملوا بكل ما أوتوا من قوة ، لتشتيت الأمة وضياعها، وإبقاء دولها فقيرة عاجزة مكبلة بالديون ، والفقر والتخلف، وهم اليوم ، وراء تشجيع كل نحلة ، وطائفة وفرقة يمكن أن تمزق الجسد الإسلامي، كالباطنية والدروز والشيوعية، وتشجيع دعوات التحلل من الإسلام ، وترويج الفواحش والمخدرات، والتعري، وكل ما يمكن أن يسلخ المسلم عن دينه ، يساعدهم عملائهم في العالم الإسلامي ، لضرب الإسلام، ومحارب الإسلام ، بأبناء الإسلام الذين عميت أبصارهم، وظنوا الإسلام سيفاً يقطع الأيدي والرقاب، وسوطاً يجلد الظهور، أو ظنوه ركونا إلى الجهل والتخلف وحسبوه طريقاً إلى الفرقة والشتات ، وسبيلاً إلى الخراب وسفك الدماء ، وقد ساعد على وجود هذا الصنف الجاهل ، وجود بعض النماذج الإسلامية الجاهلة والحاقدة التي ضربت للإسلام ، أبشع الأمثلة وصورته بأقبح الصور، حقداً على الإسلام وأهله ، ولكنهم كما قال الله في أسلافهم: ﴿ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ﴾ البقرة 18
