كظم الغيظ

قال تعالى :﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ آل عمران 134 .أخي المسلم إنّ جرعة غيظ تتجرعها في سبيل الله لها ما لها عند الله من الأجر والرفعة . فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: )مَنْ كَظَمَ غَيْظًا – وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ – دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ مَا شَاءَ ( . كلنا نواجه هذا اللون من الاستفزاز الذي هو اختبار لقدرة الإنسان على الانضباط ، وعدم مجاراة الآخر في ميدانه وهناك ثلاث منازل للسابقين في هذا الميدان : المنـزلة الأولي: من أسيء إليه فليكظم وهذه درجة المقصرين من أمثالنا من المسلمين أن يكظم غيظه ولا يتشفى لنفسه في المجالس
المنـزلة الثانية: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ يذهب إلي من أساء إليه ويقول له عفا الله عنك . المنـزلة الثالثة : ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ﴾ يذهب بهدية أو بزيارة إلي من أساء إليه ويصافحه ويقبله . وكظم الغيظ وضبط النفس ينتج عنه الرحمة بالمخطئ والشفقة عليه واللين معه والرفق به . قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ﴾ آل عمران 159 .
وفي هذه الآية فائدة عظيمة وهي: أن الناس يجتمعون على الرفق واللين ولا يجتمعون على الشدة والعنف ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال:﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ آل عمران 159 . وهؤلاء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار والسابقين الأولين فكيف بمن بعدهم؟! وكيف بمن ليس له مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس ؛ سواء كان من العلماء أو الدعاة أو ممن لهم رياسة أو وجاهة؟!فلا يمكن أن يجتمع الناس إلا على أساس الرحمة والرفق . َقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه لِرَجُلٍ شَتَمَه: “يَا هَذَا لَا تُغْرِقَنَّ فِي سَبِّنَا وَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا فَإِنَّا لَا نُكَافِئُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِينَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ نُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ”. وَشَتَمَ رَجُلٌ الشَّعْبِيَّ فَقَالَ له : “إنْ كُنْتُ كمَا قُلْتَ فَغَفَرَ اللَّهُ لِي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ كَمَا قُلْتَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ”. وشتم رجل معاوية شتيمة في نفسه؛ فدعا له وأمر له بجائزة. فلا بد من تربية النفس على الرضا والصبر واللين والمسامحة ؛ وعليك أن تنظر أخي المسلم في نفسك وتضع الأمور مواضعها قبل أن تؤاخذ الآخرين ، عن عمار رضي الله عنه قال:” ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ” ولبذل السلام معان ففيها معنى السلام: أن تسلم من لساني ومن قلبي ومن يدي ، فلا أعتدي عليك بقول ولا فعل وفيها الدعاء بالسلامة ، وفيها الدعاء بالرحمة وفيها الدعاء بالبركة ، هذه المعاني الراقية التي نقولها بألسنتنا علينا أن نحولها إلى منهج في حياتنا، وعلاقتنا مع الآخرين .
جاء خادم هارون الرشيد بماء حار ليسكب عليه ، فسقط الإبريق بالماء الحار علي رأسه فغضب الخليفة ، والتفت إلي الخادم ، فقال الخادم – وكان ذكياً – والكاظمين الغيظ! قال الخليفة : كظمت غيظي.. قال : والعافين عن الناس! قال: عفوت عنك.. قال : والله يحب المحسنين قال : اذهب فقد أعتقتك لوجه الله!! انظروا إلي الصفاء والنقاء ، وانظروا إلي الروعة! لقد وصل ذلك الجيل المبارك في بذل الأعراض والأموال في سبيل الله ، إلي أن يقوم أحدهم وهو أبو ضمضم يصلي في الليل ثم يتوجه إلي الله تعالي بالدعاء قائلاً : “اللهم إنه ليس لي مال أتصدق به في سبيلك ، ولا جسم أجاهد به في ذاتك ، ولكني أتصدق بعرضي على المسلمين.. اللهم من شتمني ، أو سبني ، أو ظلمني ، أو اغتابني ، فاجعلها له كفارة ” ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة ذات يوم ، فقام علّية ابن زيد فقال : ” يا رسول الله! حثثت على الصدقة وما عندي إلا عرضي ، فقد تصدقت به على من ظلمني قال : فأعرض عنه رسول صلى الله عليه وسلم . ولما كان في اليوم الثاني قال صلى الله عليه وسلم : ( أين علية ابن زيد ، أو أين المتصدق بعرضه ، فإن الله تعالى قد قبل ذلك منه) . ذكر الغزالي في الإحياء أن الحسن البصري جاءه رجل فقال: “يا أبا سعيد ، اغتابك فلان! قال: تعال ! فلما أتى إليه أعطاه طبقاً من رطب ، وقال له اذهب إليه وقل له : أعطيتنا حسناتك وأعطيناك رطباًً ! فذهب بالرطب إليه “. ما المقصود من هذا ؟ المقصود أن الدنيا أمرها سهل وهين وأن بعض الناس يتصدق بحسناته ، فلا عليك مهما نالك حاسد ، أو ناقم أو مخالف أو منحرف! أن تعتبر ذلك في ميزان حسناتك واعلم أن ذلك رفعة لك . يروى أن موسى عليه السلام قال : ” يا رب أريد منك أمراً ! قال: ما هو يا موسى ؟ ـ والله أعلم به ـ قال: أسالك أن تكف ألسنة الناس عني! قال الله عز وجل : يا موسى ؟ وعزتي وجلالي ، ما اتخذت ذلك لنفسي ، إني اخلقهم وأرزقهم وإنهم يسبونني ويشتمونني” . وروى الإمام احمد في كتاب الزهد أن الله تعالى يقول : ( عجباً لك يا ابن آدم ، خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وتتبغض إلي بالمعاصي ، وأنت فقير إلي! خيري إليك نازل ، وشرك إلي صاعد ) فما دام أن الواحد الأحد سبحانه وتعالى يسبه ويشتمه بعض الأشرار من خلقه فكيف بنا نحن ونحن أهل التقصير؟!
إن في حياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير دليل على المُثُل العليا التي حملوها فقد كانوا يختلفوا كما يختلف البشر ، ويتراضوا إذا تنافروا في يومٍ من الأيام ، وعادوا إلى حياة الصفاء والمحبة ، لأن المبدأ الذي يحملونه مبدأٌ واحد لا مبادئ متعددة ، فمبدؤهم : لا إله إلا الله محمد رسول الله . وما حصل بينهم دليل على أنهم لم يخرجوا عن بشريتهم ، ولم يكونوا ملائكة ولم يخرجوا من عموم قوله صلى الله عليه وسلم:( كل بني آدم خطاء) . ولم يكونوا صفحات بيضاء لا أثر فيها ،كلا ما كانوا كذلك! كانوا بشراً تعتمل في نفوسهم دوافع الشر ويتحركون في الأرض بدوافع البشر ، ولكنها دوافع البشر في اصفي حالاتها وأعلاها . جاء في سيرة أبي بكر أن رجلاً قال لأبي بكر: “والله يا أبا بكر لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك ، فقال أبو بكر: بل يدخل معك قبرك أنت لا معي” ، صدق أبو بكر فإن المسبوب لا يدخل معه السب ، ولكن يدخل السب مع الساب الذي سلط لسانه علي عباد الله . أفيظن هذا الجاهل أنه إذا سب أو شتم أو نال من أبي بكر أن شتمه هذا سوف يدخل مع أبي يكر القبر؟ فهذا جهل وأي جهل ثم انظر وتأمل جواب أبي بكر عليه ” بل يدخل معك قبرك ولا يدخل معي” فقط كان هذا جوابه ولم يقل له : بل سأسبك سباً يدخلك قبرك ! وسأفعل بك كذا وكذا وسأريك كذا ، لا بل ” يدخل معك قبرك”! وقول أبي بكر وتصرفه هو الصحيح ، فإن الكلمة الآثمة والكلمة الجارحة ، تكون وبالاً وحسرة وندامة ، علي من تجرأ وجرح ونال بها من أخيه . قال رجل لعمرو بن العاص:” والله لأتفرغن لك! قال عمرو: إذن تقع في الشغل”!
وهذا هو الحق ، فإن الذي يتفرغ لينال من الناس، ويشتم الناس ، ويكيد للناس هذا لا يكون فارغاً أبدا ً! وإنما يشغله الله بالناس ! وهذا يضيع عمره في الترهات والتفاهات وما لا ينفع ! وقول عمرو بن العاص هو الصواب وهو الحكمة ) وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ( البقرة 269 . ويروي أهل الحديث أن عامر الشعبي وهو من علماء التابعين المشهورين قام أمامه رجل وقال له كذبت يا عامر! فقال عامر: ” إن كنت صادقاً فغفر الله لي ، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك ، فماذا قال الرجل بعدها يا تري؟ سكت ” لأن من استطاع أن ينهي الخصام ، وأن يجعل للصلح موضعاً ، وألا يستعدي الناس خاصة أهل الفضل ، وأهل المنـزلة وأهل الصدارة والمكانة ، كان محسناً على نفسه وعلى الإسلام وعلى المسلمين .
وفي سيرة سالم بن عبد الله بن عمر أن رجلاً زاحمه في مني ، فالتفت الرجل إلي سالم وهو علاّمة التابعين ، فقال له : “إني لظنك رجل سوء . فقال سالم : ما عرفني إلا أنت! لأن سالماً يشعر في نفسه انه رجل سوء ” .
وهذا صواب لأن المؤمن يرمي نفسه بالتقصير كلما رآها تعالت أو تطاولت أو نسيت كما أنه يلوم نفسه ويحاسبها ، لكن الفاجر والمنافق يزكي نفسه أمام الناس! وكان سعيد بن المسيب يقوم وسط الليل ويقول لنفسه :” قومي يا مأوي كل شر”! سعيد بن المسيب يقول لنفسه هذا الكلام!! ونحن ماذا نقول لأنفسنا؟ اللهم استرنا بسترك ، وفي قصة ثابتة بأسانيد صحيحة ، قام رجل في الحرم أمام ابن عباس فسبه أمام الناس وابن عباس يحني-رأسه!! أعرابي يسب علامة الدنيا ولا يرد عليه.. وواصل الأعرابي الشتم فرفع ابن عباس رأسه وقال: ” أتسبني وفيّ ثلاث خصال؟! قال: ما هي يا ابن عباس؟ قال: والله ما نزل المطر بأرض إلا سررت وحمدت الله علي ذلك ، وليس لي بها ناقة ولا شاة!!قال: والثانية؟ قال: ولا سمعت بقاض عادل إلا دعوت الله له بظهر الغيب وليس لي عنده قضية!! قال: والثالثة؟ قال: ولا فهمت آية من كتاب الله إلا تمنيت أن المسلمين يفهمون كما أفهم منها هذه” لابد أن تعوِّد نفسك على أن تسمع الشتيمة ، وتقابلها بابتسامة عريضة وأن تدرِّب نفسك تدريبًا عمليًّا على كيفية كظم الغيظ ، ولقد أحسن القائل :
وَإِنَّ الـذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِـي وَبَيَن بَنِي عَمِّي لَمُخْتَلِـفٌ جِـدَا
فَإِنْ أَكَلُوا لحَمْي وَفَرْتُ لُحُومَهُم وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا
وَلَا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيم عَلَيهِم ولَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا
إنها المثل العليا التي حملها أصحابه عليه الصلاة والسلام ، وهو الذي رباهم أصلاً علي أسس العقيدة وأخلاق الإيمان ، لكنه بناهم شيئاً فشيئاً ، واعتنى بهم حتى أصبحوا قادة الأمم والقدوة الحسنة لها ! . قالوا في المثل: ” من لك بأخيك كله” تريد أخاً مهذباً كله ؟ لا ، هذا لا يكون.. خذ بعضه خذ نصفه ، خذ ثلثه خذ ثلثيه ، كله ، فهل تجد في المجتمع المسلم شخصاً مهما بلغ من الرقي وحسن الخلق أن يكون كاملاً كله ، لا حيف فيه ولا نقص؟! كلا هذا لا يكون .
قال تعالى :﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ تجد هذا كريماً لكنه غضوب! وتجد ذاك حليماً لكنه بخيل وتجد آخر طيباً لكنه عجول لأن الله وزع المناقب والمثالب على الناس.
من ذا الذي ترضي سجاياه كلها كفي المـرء نبلاً أن تعد معايبه
فإذا عددت معايب الإنسان فاعلم أنه صالح ولكن بعض الناس لا تستطيع أن تعد معايبه أبداً مهما حاولت!! وبعضهم لخيره وصلاحه تقول : ليس فيه إلا كذا ، وهذا هو الخير ومن غلبت محاسنه مساوئه فهو العدل في الإسلام . ومن غلبت مساوئه محاسنه ، فهو المنحرف عن منهج الله ، وإن الله يزن الناس يوم القيامة بميزان آية الأحقاق يقول تعالي:﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾الاحقاف 16 . بين الله في الآية أن لهم مساوئ ، وأنه يتجاوز عنهم وأن لهم خطايا ، وأن لهم ذنوباً ولكنهم كما يقول الحديث: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فبعض الناس ماؤه قليل.. أي شيء يؤثر فيه ، قطرة تؤثر فيه! ولكن بعضهم لمحاسنه ومناقبه بلغ قلتين فمهما وضعت فيه لا يتغير أبداً لكرمه ، وبذله ، وعطائه وعلمه وسخائه ، وفضله ، ودعوته وخيره وصلاحه وصدق نيته إلي غير ذلك من الصفات . وهذا تأتيه أحياناً نزغات من نزغات الشيطان لكنها لا تؤثر فيه . ولذلك يقول ابن تيميه نقلاً عن ابن القيم في مدارج السالكين : ” أما موسى عليه السلام فإنه أتى بالألواح فيها كلام الله فألقاها في الأرض ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه “. يقول ابن تيمية : ” أخوة كان نبياً مثله ، ومع ذلك جره بلحيته أمام الناس ولكن الله عفا عنه ” . قال ابن القيم :
وإذا الحبيب أتي بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
وفي حديث رواه البهقي بسند حسن قال :
( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) . قال ابن القيم :” إلا الحدود ، فإن الناس متساوون في الحدود ، لكن في المسائل التي ليس فيها حدود ، فعلينا أن نقيل صاحب العثرة – من أهل الهيئات- عثرته ” وأهل الهيئات هم الذين لهم قدم صدق في الإسلام وفي الدعوة وفي الخير وفي الكرم ، وفي التوجيه وفي التأثير، وهم وجهاء الناس وأهل الفضل فهؤلاء إذا بدرت منهم بادرة فعلينا أن نتحملها جميعاً وعلينا أن ننظر إلي سجل حسناتهم ، وإلي دواوين كرمهم ومنازلهم عند الله وعند خلقه . يقول بشار بن برد:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
ويقول في بيت آخر:
إذا أنت لم تشرب مراراً علي القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فصاحب أخاك ، وتحمل منه الزلة ، واغفر له العثرة ، وتجاوز عن خطئه . كان ابن المبارك إذا ذُكر له أصحابه قال :” مثل فلان فيه كذا وكذا من المحاسن ويسكت عن المساوئ “. وليتنا نتذكر حسنات الناس ، فما أعلم أحداً من المسلمين مهما قصر إلا وله حسناته ، ولو لم يكن من حسناته إلا انه يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لكفي . أُوتي برجل يشرب الخمر إلي رسول صلى الله عليه وسلم فأمر به فجلد ، وكان قد أُتي به كثيرا ً. فقال رجل من القوم : اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تلعنوه فوالله ما علمت أن يحب الله ورسوله) وفي لفظ : قال رجل: ما له أخزاه الله . فقال رسول صلى الله عليه وسلم (لا تكونوا عوناً للشيطان علي أخيكم) . فاثبت له النبي صلى الله عليه وسلم أصل الحب وهي حسنة واثبت له بقاءه في دائرة الأخوة الإسلامية ، وهذه من أعظم الحسنات فلماذا لا نتذكر للناس محاسنهم ؟! فإنك لا تجد شريراً خالصاً إلا رجلاً كفر بالله ، أو تعدى علي حدوده أو أعلن الفجور، أو خلع ثوب الحياء ، ونبذ الإسلام وراءه ظهرياً .
كان لمعاوية مزرعة في المدينة ، وله عمال وكان لابن الزبير مزرعة بجانبها ، ومعاوية آنذاك خليفة المسلمين ، وابن الزبير راع من رعيته ، وكان بينهما حزازات قديمة ، فأتى عمال معاوية ودخلوا في مزرعة ابن الزبير فكتب ابن الزبير لمعاوية كتاباً وكان رضي الله عنه غضوباً، فقال له : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن الزبير ابن حواري الرسول صلى الله عليه وسلم ، وابن ذات النطاقين ، إلي معاوية بن هند بن آكلة الأكباد ! أما بعد : فقد دخل عمالك مزرعتي ، فو الذي لا إله إلا هو إن لم تمنعهم ليكون ، لي معك شأن!! فقرأ معاوية الرسالة – وكان حليماً – فاستدعى ابنه يزيد ، وكان يزيد متهوراً فعرض عليه معاوية الرسالة ، وقال : ماذا تري أن نجيبه؟ قال : أرى أن ترسل له جيشاً أوله في المدينة وآخره عندك في دمشق يأتونك برأسه!! فقال معاوية : لا ، فهناك ما هو خيرٌ من ذلك وأقرب رحماً ، فكتب معاوية : بسم الله الرحمن الرحيم ، من معاوية بن أبي سفيان ، إلي عبد الله بن الزبير بن حواري الرسول ، وابن ذات النطاقين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : فلو كانت الدنيا بيني وبينك ، ثم سألتها لسلمتها لك ، فإذا أتاك كتابي هذا فضم مزرعتي إلي مزرعتك ، وعمالي إلي عمالك فهي لك والسلام “!! وصلت الرسالة إلي ابن الزبير فقرأها وبلها بدموعه وذهب إلي معاوية في دمشق وقبل رأسه وقال له : لا أعدمك الله عقلاً فأنزلك هذا المنـزل من قريش ” . إن ما يجري بين الأحبة من خلاف لا يفسد للود قضية ، ولا يغير ما في النفوس وأرجو الله أن لا يكون بيننا وبين أحد من الناس كره لأسباب دنيوية ، لأن الواجب أن يسعى العبد لمصلحة هذا الدين ، ولمصلحة الأمة والبلاد والعباد ، وأن يسعى لجمع الصف ونبذ الفرقة ، ودرء الفتن عن الأمة حتى تكون الأمة تحت مظلة : ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال 63. فقطع السباب وإنهاؤه مع من يصدر منهم ، لا شك أنه من الحزم حُكِيَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِضِرَارِ بْنِ الْقَعْقَاعِ : وَاَللَّهِ لَوْ قُلْت وَاحِدَةً؛ لَسَمِعْت عَشْرًا !فَقَالَ لَهُ ضِرَارٌ: وَاَللَّهِ لَوْ قُلْت عَشْرًا؛ لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً !
قُلْ مَا بَدَا لَك مِنْ زُورٍ وَمِنْ كَذِبِ حِلْمِي أَصَمُّ وَأُذْنِي غَيْرُ صَمَّاءِ
وبالخبرة وبالمشاهدة فإن الجهد الذي تبذله في الرد على من يسبك ، لن يعطي نتيجة مثل النتيجة التي يعطيها الصمت، فبالصمت حفظت لسانك ووقتك وقلبك ؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى لمريم : ) فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (مريم26 .
والكلام والأخذ والعطاء، والرد والمجادلة تنعكس أحيانًا على قلبك، وتضر أكثر مما تنفع ، والصبر والسماحة والتدرب عليهما من الإيمان ، وقد قال بعض الحكماء: “احْتِمَالُ السَّفِيهِ خَيْرٌ مِنْ التَّحَلِّي بِصُورَتِهِ وَالْإِغْضَاءُ عَنْ الْجَاهِلِ خَيْرٌ مِنْ مُشَاكَلَتِه”. وقال بعض الأدباء: “مَا أَفْحَشَ حَلِيمٌ وَلَا أَوْحَشَ كَرِيمٌ”.
ولقد صدق القائل :
سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ إلَيَّ الْجَرَائِمُ
فاغسل يا أخي قلبك يوميًّا وتعاهده ؛ لئلا تتراكم فيه الأحقاد والكراهية والبغضاء والذكريات المريرة ، اغسله لأنه محل نظر ا لله -سبحانه وتعالى- فقلبك الذي ينظر إليه الرب سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات احرص ألا يرى فيه إلا المعاني الشريفة والنوايا الطيبة . !عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) أخرجه مسلم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *