قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالموت مزهِّداً في الدنيا ومرغِّباً في الآخرة ) .
الزهد : انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه ، أو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة ، قيل للحسن البصري ما سر زهدك في الدنيا يا إمام ؟ “فقال الحسن أربعة أشياء : علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي ، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت بعملي ، وعلمت أن الله مطلع على فأحسست أن يراني على معصيته ، وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربى ” والزهد من أسباب محبة الله عزّ وجل لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ازهَد في الدنيَا يُحِبكَ اللهُ ) ، وإذا كان الموت مزهداً فلماذا لا يدفعنا إلى التفكر في الانتقال من سعة الدنيا إلى ضيق القبر وقد هجرنا الأخ والصديق والقريب والبعيد ، ولماذا لا نعتبر بمن صاروا تحت التراب ، وقد كانوا قبل ذلك مع الأهل والأحباب جاء في الحديث القدسي أن الله ينادي عبده بعد أن يوارى التراب : ( عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ، ولو ظلوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ) . ورغم شدّة الموت وقسوته في هذه الحياة الدنيا إلا أنه أهون مما ينتظره بعده ، ولقد أحسن القائل :
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حيٍ
ولكنا إذا متنا بعثنا ونُسأل بعد ذا عن كل شيءٍ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو تعلمون ما انتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا ، ولا شربتم شراباً على شهوة أبدا ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به ) أتدرون لماذا ؟ لشدته وقسوته وبطشه وسطوته ، فألمه دونه كل إيلام ومرارة الصبر أقل من مرارته ، فالعاقبة لا تحمد لمن لم يستعد له قبل حلوله، ويوفق للعمل الصالح قبل نزوله ، أما من استعد للموت وتزود بالتقوى ، وعمل الصالحات فالعاقبة محمودة ، والشدَّة منتهيةٌ إن شاء الله لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( آخر شدَّة يلقاها المؤمن الموت ) . هذه الشدَّة التي لو علمت بها البهائم ما أكلتم منها سميناً قال صلى الله عليه وسلم : ( لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم بنوا آدم ما أكلتم منها لحماً سمينا ) . ففي هذه الحكمة الوجيزة أبلغ موعظة للقلوب الغافلة، والنفوس اللاهية بحطام الدنيا عما ينتظرها في الآخرة ، لأن الإنسان إما أن يحاسب فهو معاقب ، وإما أن يعاتب والعتاب أشدُّ من ضرب الرقاب .
والموت هو الواعظ الأكبر ، وهو الحقيقة المطلقة التي لا شك فيها ، لا يغني عنه مال ولا ولد ، ولو لم يكن هناك موت ، لما كان للحياة معنى أو قيمة ، ومن لا يتعظ بالموت فهو من الغافلين ، الذين قال الله فيهم: ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخُذُهم وهم يخِصّمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ . وقد يأتي المرض نذيرا للموت فلا ينـزجرون ويأتيهم الشيب رسولاً منه فلا يعتبرون ، ومن لا يتعظون بهذا ولا يعتبرون بذلك ، أيظنون أنهم في الدنيا خالدون ؟ فكم هلك وكم أهلكنا من الأمم ، فهل عاد منهم أحد ؟ كيف وقد قضى الله أنهم إلى الدنيا لا يعودون قال تعالى : ﴿ ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ يس 31 .
وأعقل الناس من أكثر ذكر الموت، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أعقل الناس قال : ( أكثرهم للموت ذكرا ) لأن في تذكره السبيل إلى الإصلاح ، والتزود بالتقوى قبل فوات الأوان ، مصداقاً لقول القائل :
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيحٍ مات من غير علّةٍ وكم من عليلٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضت روحها ليلة القدر
