مَنْ مِنا لا يقع في معصية الله؟! ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وقال الألباني: حسن . فكيف بنا ونحن نعيش في عصر قد أُجلِبت الفتن والشهوات علينا ، وصرنا نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا صباح مساء ما يدعونا إلى المعصية ويزيّنها بأعيننا، وما يؤخرنا عن الطاعة ويحجزنا عنها. أخرَجَ أهلُ السُّنَن و الطبراني عن ابن عباس رَضي اللّٰهُ عنهما أنَّ النَّبي صَلَّى اللّٰهُ عليه وَ سَلَّم قال: ( ما من عبدٍ مؤمنٍ إلا و له ذنبٌ يعتادُه الفينةَ بعدَ الفينةِ ، أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يُفارِقُه حتى يُفارِقَ الدنيا إنَّ المؤمنَ خُلِقَ مفتَّنًا توابًا نسَّاءً ، إذا ذُكِّرَ ذكَرَ )والحديثُ بسَنَدٍ صحيح حَسَّنَه الألباني ، فالعَبدَ المؤمِن قريبٌ مِن الذنبِ كما هو قريبٌ مِن الطاعةِ ؛ ومن الذي لا يقع في معصية الله والرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقسم فيقول: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) رواه مسلم . إذًا فكَون العَبد المؤمن مَخلوقٌ على تركيبٍ يقبل الذنب بطبيعته ؛ كما ذُكِر في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما مِن عَبدٍ مؤمنٍ إلا وله ذنبٌ يعتادُه الفينةَ بعدَ الفينةِ ) يعني الحِين تلو الحِين والكَرَّة تلو الكَرَّة ( أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يُفارِقُه حتى يُفارِقَ الدنيا ) لماذا؟ لأنَّ المؤمن خُلِقَ بهذا التركيب كما قال : ( إنَّ المؤمنَ خُلِقَ مفتَّنًا توابًّا نسَّاءً إذا ذُكِّرَ ذَكَر ) أي مُعَرَّض للفِتنةِ بتركيبه ليس مَلَكًا نَورانيًّا ، بل فيه لَمَّة الشيطان وفيه لَمَّة الخَير ( مفتَّنًا توابًّا نسَّاء ) يعني يُصيب الذنب ويتوب مِنه ثم ينسى فيُعاوده ، وقد يكون النسيان نسيان الذاكرة ، وقد يكون النسيان نسيان الهَجر والترك لأنَّ النسيان له هذا المعنى ( توابًّا ) أو له ذنب يُعاوده ، لماذا ؟ لأنَّه خُلِقَ بهذا التركيب ( إنَّ المؤمنَ خُلِقَ مفتَّنًا توابًّا نسَّاءً ، إذا ذُكِّرَ ذَكَر ) قال تعالى : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الذاريات 55، إذا ذُكِّر تَذَكَّر، قد تُلقي مَوعِظة على أصحابِ كثيري الذنوب فتَدمَع لهذه المَوعِظة أعيُنَهم لأنَّ فيهم مِن الدِّينِ والإيمانِ ما إذا ذُكِّروا تذكَّروا ، لكن العبد إذا قُرِّب من الذنوب قد يقع ، إذًا العبد مخلوق على أن يكون مائلًا للذنبِ ، ومِنَّا مَن هو أسرع في المَيلِ إلى الذنبِ من غيره ، لذا فتح الله أبوابًا التوبة ، ليُداوي العَبد من هذا المَرَض ، فأمرنا بأن نتوب قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ التحريم 8 وقال ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ثم بَيَّن فَضل التوبة وقال سُبحانه: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ الفرقان 70 ، فهذا بيان لفضل التوبة وأنَّها تُكفّر الذنب وتُطهّر العَبد مِما سبق مِن ذنوب ، فما هي التوبة ؟! : التوبة عِلمٌ و حالٌ و عَمَلٌ . عِلم بما اقترف ، فحين يعلم العَبد أنَّ الذنب مُصيبة ، وأنَّه ليس مِن الأمورِ البسيطة يخاف ، وبقدر ما يعظم الذنب في نفسه ويكبر ، يزداد بُعْدَهُ عنه ويحاول الفكاك منه.
وقد صوّر عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- المؤمن مع ذنبه تصويرًا دقيقًا فقال -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ -العاصي والفاسق- يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا ) رواه البخاري ، قَالَ أَبُو شِهَابٍ: بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ. وهذا كناية عن عدم اكتراثه بالذنب. قال أحد السلف معلقًا على كلام ابن مسعود: “إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية”. فلماذا ضُرِبَ المَثَل بالجَبَل؟ لأنَّ كُلّ مُهلِك يُرجَى معه النجاة ، إلا هَدم الجبل فوق الرؤوس.. أمَّا حال المذنب : فهو النَّدَم بالبُكاءٌ على ما فات والحِرص على ما هو آت. وأما العَمَل : أن يعزم على ألا يعود وأن يُتبِع السيئة الحسنة ، ويدفع بالتي هي أحسن ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيئاتهم حسنات ﴾ لنقف مع أنفسنا وننظر رصيدنا اليومي من محقرات الذنوب. فكم كلمة أو رسالة في جوال أو تغريدة نطلقها لا نلقي لها بالاً.. ! فهذه سخرية بمسلم وهذه همز أو لمز له، وتلك وقوع في عرضه، وأخرى كلمة غير صادقة أو ما يسمى بالكذبة البيضاء ، التي عمت وانتشرت ، وبسبب شؤم هذه المعاصي التي سادت وانتشرت بين المسلمين ، خربت البلاد وتعطلت المصالح، وإذا بالغلاء الفاحش يضرب بأطنابه في كل مكان، والناس يشكون من هذه الابتلاءات والمصائب المتتابعة عليهم، وما علموا أن الجزاء من جنس العمل فالله لا ينزل مصيبة في الأرض ولا بلاءً من السماء إلا بسبب معصية أو فاحشة، وبسبب شيوع المنكرات والسيئات والمعاصي.
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
وهذه نظرة عابرة لما حرّم الله، حتى يجتمع على أحدنا من هذه الأعمال الصغيرة بأعيننا طودٌ عظيمٌ من محقرات الذنوب فتهلكه .
عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ؛ قَالَ: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَخْرُبُ صُدُورُهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ وَتَبْلَى كَمَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلا يَجِدُونَ لَهُ حَلاوَةً وَلا لَذَاذَةً، إِنْ قَصَّرُوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ؛ قَالُوا: ﴿ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الممتحنة: 12، وَإِنْ عَمِلُوا مَا نُهُوا عَنْهُ؛ قَالُوا: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك ﴾ النساء: 48، أَمْرُهُمْ كُلُّهُ طَمَعٌ لَيْسَ مَعَهُ خَوْفٌ، لَبِسُوا جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ، أَفْضَلُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمُ الْمُدَاهِنُ.
