كيد النفس وضلالها

لقد كرَّم الله النفس الإنسانية ، وفضلها وأعزّها بتشريعاته ونظامه ومنهجه حيث ضمن لها حياةً إنسانية كريمة وحياةً أخرويةً عامرةً بحسن الثواب ، إن التزمت التشريعات ودعت إلى العمل بها فهي موطن التفاعل مع ما يرِدُها من خيرٍ أو شر ، وحلالٍ وحرام وحقٍ وباطل وهي الإناء الذي يتسع لكل شيء يتسع للهدى كما يتسع للضلال وإن لم تُلْجَم بلجام التقوى والدين ، وتُتابع بالترهيب والترغيب ، تقتل صاحبها هناك أنواع من النفس الإنسانية التي تعامل معها الإسلام وورد تنويعها في القرآن وهي النفس المطمئنة : المحمودة في أقوالها وأفعالها ، وهي أعلى النفوس درجة وأولاها بجزيل الثواب قال تعالى : ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ الفجر . والنفس المطمئنة : هي الساكنة تحت الأمر ، الطائعة لله ورسوله ، التي باعدت بين نفسها وبين ما لا يحل من الشهوات ، وهي نفس محمودة عند الله وعند الناس . والنفس اللوامة : التي تلوم صاحبها عندما يقع في ذنب ، فتحمله على هجر المعصية والإسراع إلى الطاعة ، وهي التي أقسم بها لمكانتها عنده قال تعالى : ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ القيامة . والمعنى أن الله يقسم ويؤكد القسم بالنفس التي تلوم صاحبها على الذنب والتقصير ، وهي نفسٌ محمودة عند الله وعند الناس .
ثم النفس الأمّارة : وهي مذمومة مستحقة لعقاب الله على ما تقترف من المعاصي ، وهي أدنى النفوس وأبعد النفوس عن طاعة الله وقد ذكرها الله في قوله تعالى : ﴿ وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ يوسف . إنها تزين لصاحبها الشر والمعاصي والشبهات , وتميل بطبعها إلى الشهوات وهي نفسٌ مذمومة وإن كانت نفس عدد كبيرٍ من الناس قال صلى الله عليه وسلم في وصفها : ( أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ) . وفي حديثٍ آخر ( من أعز نفسه فقد أذل دينه ، ومن أذل نفسه فقد أعز دينه ) . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من شرور النفس في خطبة الحاجة فيقول : ( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ) أخرجه أبو داود . إن الإسلام ينظر إلى كل نفسٍ بشرية على حدة ، ولا يحمّل نفساً خطأ نفسٍ أخرى ، ولا يعاقب الآباء بما فعل الأبناء لأنه يتعامل معها بعدالة إلهيةٍ مطلقة وقد حذّر الله من المعاصي كبائر وصغائر ، وأعلن للطائعين والعاصين ، أنه سيجازي كلاً بما عمل قال تعـالى: ﴿ كل نفسٍ بما كسبت رهينة ﴾ . وهناك علاجان لمرض استيلاء النفس على القلب هما محاسبتها ومخالفتها وبعكس ذلك فإن إهمال محاسبتها وموافقتها وإتباع هواها يؤدي إلى هلاك القلب أخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) روى عن الحسن قوله : ” المؤمن قوّام على نفسه لله ، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وشق على قومٍ أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة . وقال : ” إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظٌ من نفسه وكانت المحاسبة من همته” . بأن يحاسب نفسه على الفرائض أولاً ، فإن تذكر فيها نقصاً تداركه إما بقضاء أو إصلاح أو يحاسبها على المناهي ثانياً فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية ، ثم يحاسب نفسه على الغفلة ثالثا إن غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله أو يحاسبها بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه أو بطشت يداه ، أو سمعته أذناه . وإذا كان العبد مسئولاً ومحاسباً على كل شيء ، حتى على سمعه وبصره وقلبه كما قال تعالى : ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ الإسراء 36 . فقد دلت الآيات على وجوب محاسبة النفس قال تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغدٍ ﴾الحشر 18 . لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال : أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي ترديه ، قد يقول المؤمن عن شيءٍ يعجبه مما حرَّم الله ، والله إني أشتهيك ، فإذا ما أقدم على فعله تذكر أن هذا حرام وتذكر الحساب ، فيقول ما لي ولهذا والله لا أعود إلى هذا أبدا ، بهذا يكون المؤمن أسير في الدنيا ، مأخوذٌ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه يراقبها ولا يهملها ، وإذا ما أهملها وقعت في الخيانة فيشتد الحساب يوم القيامة على من أهمل متابعة نفسه قال تعالى : ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ وقال : ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ فإذا سئل الصادقون عن صدقهم وحوسبوا على صدقهم ، فما الظن بالكاذبين ؟ قال قتادة : ” كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين ، فهم يُسألون عن المعبود وعن العبادة ” . ومن فوائد محاسبة النفس ان يعرف الإنسان حق الله عليه ، ومن لا يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي ، وهي قليلة المنفعة ، قال الإمام أخمد عن وهب قال مكتوبٌ في حكمة داوود : ” حقٌ على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ، ساعةٌ يناجي فيها ربه وساعةٌ يحاسب فيها نفسه ، وساعةٌ يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدُقونه عن نفسه ، وساعةٌ يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ” وقال : ” بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مرّ برجلٍ يدعو ويتضرّع فقال : يا رب ! ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله إليه : لودعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له ، حتى ينظر في حقي عليه” فمن حق الله أن يطاع فلا يُعصى ، وأن يُذكر فلا ينسى ، وأن يُشْكر فلا يكفر .
فمحاسبة النفس هي : نظر العبد في حق الله عليه أولاً ونظره هل قام به كما أمر الله ثانياً ، وهذه المحاسبة تضعف الأعمال السيئة وتوقفها ، وتحض الإنسان على الأعمال الصالحة وتدعوه إلى النظر في حق الله عليه ، وينبغي للإنسان إذا حاسب نفسه فرآها قد ارتكبت معصية أن يتوب إلى الله توبة نصوحا ، فبادر يا أخي بإصلاح نفسك قدر الاستطاعة ، فإن العمر قصير والسفر طويل والعقبة كؤود ، والحمل ثقيل ، وقد خف الحساب يوم القيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وشق على قومٍ أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ، فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب ولنـزنها قبل أن نوزن ، ولنتهيأ للعرض الأكبر فاليوم عملٌ ولا حساب ، ويوم القيامة حسابٌ ولا عمل ، فملاحقة النفس والحذر من وساوسها هو الذي يحقق مناعتها وعافيتها وبهذا يتحقق معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل له واعظاً من قلبه ) مسند الفردوس . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *